FluentPlex

The Vices of the Two Viziers

Original text Public domain

Read with the dictionary

ثم قام عليّ بن عيسى الشيخ الصالح وقال: هذا مجلس يُبتهى بحضوره لشرفه، ويُفتخر بالكلام فيه لكثرة من يعرف ويُنصف، والمُغالطة فيه مأمونة، وليس في كلّ أوانٍ يتّفق هذا الجمع، وبيننا وبين هذا الشيخ، يعني أبا عبد الله، مسألة من أجلها ومن أجل نظائرها قد استجاز تكفيرنا وتفسيقنا والتَّشنيعَ علينا وتنفير المقتبسين منا، وها أنا قد ابتديتُ سائلاً فلينصُر مذهبه كيف شاء، وإنما هو دينٌ، فيجب أن نبحث عنه من العارفين.

فقال عزُّ الدولة: كلام منصف، ما أسمع بأساً ولا أرى ظِنَّة، يحثُّ بذلك على الجواب.

فاصفرَّ أبو عبد الله وقلق، وفطِن أبو الوفاء وكان ضَلْعُه معه، وصَفُوه له، فحال بينه وبين الأمير وقال: الشيخ عليل، وإنما حضر للخدمة، وبعض غلمانه ينوب عنه، ولا ينبغي أن يتعَب فيحْمى جسمه، ويُخاف نكسُه، ويصير ما قُصد من قضاءِ حقه في التجمُّل بحضوره سبباً للتألم.

ثم أقبل أبو الوفاء على عليّ بن عيسى فقال: يُكلّمك أيها الشيخ من غلمانه من تُحب.

فقال: لا حاجة إلى الكلام مع غلمانه، إنما كان الكلام معه هو القصد، لأن الاجتماع بيننا يقلّ، ولأن الخصومة تكون معه الفيصل، وذاك أنه يُكتب كلامي سائلاً، وكلامه مُجيباً، ثم لا نزاع.

فأما أصحابه فإنهم يكلّمون أصحابي وذاك قائم بينهم، وكانت البغية قطع المادّة، وحسم الشَّغب، وبلوغ الحدّ، وإذا وقع الإباء فلا لجاج، وإذا عُرف المراد فلا حجاج.

ثم قال عزّ الدولة: هاتوا شيئاً آخر قبل أن يتصرَّم النهار بما ليس له درٌّ، وكان فصيحاً.

فأعرض أبو الجيش الخراساني وكان متكلّم الشيعة، فسأل عن القرآن وقال: أروني من القرآن تنزيله على هيئته الأُولى حين نزل به جبريل على قلب محمد صلى الله عليه، فتلاه على أُمّته بلسانه، فإني أجد عند حمَلَته اختلافاً كثيراً في تحريفه وتصحيفه، ونقصه وزيادته، وإعرابه وغريبه ووضعه وترتيبه؛ ولهذا وأشباهه اختُلف في تأويله، وشُكّ في تنزيله، وكثُر خوضُ الناس فيه وفي تفسيره، والاحتجاج له؛ ولقد سبَق علمي أن كلام الله لا يكون في حكم كلام عباده، وأن ما يجوز على ذلك لا يجوز على هذا، لأن الله حكيم كريم رحيم، والحكمة والكرم والرحمة تأبى ما تصفون به في كتاب ربّكم، وتستجيزونه في كلام خالقكم.

قال: وهذا الذي قلتُ بيِّن معروف؛ القرأَةُ تختلف ضرباً من الاختلاف، والنَّقلة تختلف ضرباً آخر، والفقهاء تختلف على قدر ذلك ضرباً آخر، وكذلك أصحاب الكلام؛ وحتى أفضى هذا إلى طعن الزّنادقة فيه، وانجرَّ عليه قدح الملحدين به، وقال كلاماً كثيراً من هذا الجنس، فكلّهم كاعَ عن الجواب، وكاد أبو الجيش بعد تذرُّعه بالقول يشمتُ ويبالغ في التَّشنيع.

فقال عزّ الدولة: يا أبا الجيش أنت في معركة لا مُبارٍ لك فيها، فافرِ كيف شئت وذر، والله المستعان.

فانبرى أبو حامد وتكلّك بملءِ فيه، ومحق أبا الجيش وبيّض وجوه الناس.

فلما خرج قال له محمد بن صالح الهاشميّ: لقد دعمت الإسلام بدِعامةٍ لا يُزعزها الزّمان، ولقد حصّنت الدين حَصانةً الله يُجزيك عنها، ورسوله صلّى الله عليه يُكافئك عليها.

ولولا أن هذه الرسالة لا تحتمل المسألة والجواب بما فيها من فنون القول لأتيتُ بالمجلس على وجهه.

فهذا كان اقتدار البصري جُعل في المناظرة، وقوّته عند لقاء الخصم ونُصرة المذهب والدّين.

ولقد ذَكَا عيناً عشرين سنة على صاحب بغداذ لصاحب... حتى آلت الأمور إلى ما عرفه الصّغير والكبير بأصحابه أصحاب المحابر والأقلام والكرارس.

ولقد بلغ من قلة دينه أنه صنّف رسالة ذكر فيها الدّلالة على أنه هو المهدي المنتظر. قال: فإن معنى المهدي أن الله هَدَاك، وهدى أهل العدل والتوحيد لك؛ وأما المنتظر فلأَنّا كنا ننتظرك بالعراق؛ وهذه الرسالة مشهورة وحُملت في جُملة الهدايا إلى قابوس.

وسمعت أبا محمد الفرغاني الحنيفي يقول: ما خلوت بفكري في أمري ومُلازمتي هذا الرجل - يعني البصري - إلا ظننتُ أن الله تعالى يرسل عليّ صاعقة أو يجعلني آية وعبرةً باقية.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account