FluentPlex

The Vices of the Two Viziers

نص أصلي Public domain

اقرأ مع القاموس

وأنا أعتذر إليك من أن أصل مخاطبتي لك بمثله، وإن كنتُ أجعله بمنزلة اللّهو الذي أستعين به على الحق، والهزل الذي أستريح به من الجدّ؛ وقد قيل: من لم يذمم المسيء لم يحمد المُحسن، ومَن لم يَعرف للإساءة مضضا، لم يجد عنده للإحسان موقعا.

وعلى أني لست أدري أمَيْلي إليك أصدق، أم انحرافي عنه أوثق، ورغبتي فيك أشد، أم زُهدي فيه أوكد، ومودّتي لك أخلص، أم أنا على مصارمته أحرَص، وسكوني إليك أتمّ أم نَبْوَتي عنه أحكم، وأنا على ذَمِّه أطبع، أم في حمدك أبدع؟ كما لست أدري أحظُّك من الهمة والمروءة أجزلْ، أم حظُّه من الدّناءةِ والقِلَّة أجل، ومكانك من الحزامة والكرم أرفع، أم محلُّه فيهما أوضع؟ وكيف يُقرن بك أو يُساوي، وما أتأملك في حالٍ من الأحوال إلاّ وجدتك فيها حُساماً قاضِباً، وشهاباً ثاقباً، وعُوداً صليباً، ورأياً عند مُعضِل الخطوب مُصيباً؛ في شمائل حلوة عِذاب، وأخلاق معجونة بآداب؛ لا تتجافى عن مَكرمة، ولا تُخِلّ لذي أمل بحُرمة، ولا تَؤودك الخطوب إذا اعتورتك، ولا تتكاءّدُك الجهات إذا اكتنفتك، قد تعرَّقتك الأيام بحالتي النُّعمى والبلوى، فكشف منك عن أمضى من الدَّهر عزْماً، وأرزن من رَضوى حلماً، وأثبت من الليل جناناً، وأسمح من صوب الغَمام ندىً، وأمنعَ من السَّيف جانباً، وأعزَّ من كُليبِ وائل صاحباً.

وما أتأمّله في حالٍ من الأحوال إلاّ وجدته برْقاً كاذباً، ورأياً عازباً؛ ركاكة ظاهرة، ونذالة وافرة، وهيئة خسيسة، ونفْساً على الذَّمّ حبيسة؛ لم ينشأ منشأ أدب، ولا راضته أوّلية حسب، فهو دهره على وجل وذُعر؛ إن صال فعلى القريب الدّاني، وإن همّ فبِمضِلاّت الأماني، فليس تتجاوز صولته عبده، ولا يخاف عدوّه كيده، قد جمع إلى القُبح المخبر، بشاعة المنظر، وإلى دمامة الخلق سوء الخُلُق؛ إذا فكّر المُفكِّر فيما أوتيَ من الحظّ، ومُنح من الحال، أيقن بعُلوّ الجهل وفوز قِدحه، وإِكداء الباطل وكساد ربحه؛ هو والله كما قال الشاعر:

عَدوٌّ لمولاهُ عَدوٌّ صديقِهِ ... وَتلك التي يأْتي اللئيمُ من الفِعْلِ

مُقَلَّمةٌ أظفارُه عن عَدوّه ... عَلَى أَقْرَبِيه ظاهرُ الفُحْش وَالجَهلِ

وما أخطأ بوجهه قول الحَمدوني:

كأن دَمامِلاً جُمعت ... فصُوّر وَجهُه مِنها

والعجب كلّ العجب، والحديث الذي عندي سيان فيه الصّدق والكذب، ما يُظهره من الانحراف والازْوِرار، على ما بي عنه من السَّلوة والاصطبار؛ وما محله فيما يأتيه إلا محلُّ أمّ عمرو وما قيل فيها:

ألاَ ذهبَ الحِمارُ لأُم عَمْرو ... فلا رَجَعتْ وَلا رَجَع الحمارُ

بل هجوُه والله الفائدة التي يجب في مثلها الشُّكر، والأُحدوثة التي يحسن فيها الذكر؛ فأما غضبه وتغيُّظه فغضبُ الخيل على اللُّجُمِ الدِّلاص؛ وأنا أقول فيه كما قيل:

فإن كنتَ غَضباناً فلا زلتَ راغِماً ... وإِن كنتَ لم تَغضَب إلى اليومِ فاغضَبِ

والله لو كانت له مثل أياديك التي لها مني موقع القطر في البلد القَفْر، ولطف محلِّ الوصل بعقبِ التّصارم والهجْر، لما وجدني مُحتمِلاً له أذى، ولا مُغضياً له على قذى؛ ولو كان تخويفه إيّايَ بمثل إعراضكَ الذي أدناه يُقلق الوساد، ويُمرض الفؤاد، لما ألفاني له مُعتباً، ولا إليه مُغتذراً؛ فكيف وهو مَن لا يجب له حقّ الصَّنيعة، ولا ذمام أدب، ولا ذمار معرفة؛ لم أُسرَّ برضاه لما رضي فأُساء بغضبه وقد غضب، ولا نفعني إقباله فيضرُّني إعراضه، أنه بحمد الله كما قيل:

فتىً إن يرضَ لا ينفَعك يوماً ... وإنْ يَغضَب فإِنَّك لا تُبالِي

لستُ والله أحفلُ به أقبل أم أدبرَ، وسكَنَ أم نفر، ولا أُبالي بحالَتَي سُخطه ورِضاه، ولا بأُولى أمره ولا بأُخراه. فأدام الله له سَوْرة النَّبْوة والإعراض، وأعانه على الجَفْوة والانقباض، ولا أخلاه من الغضب والامتعاض؛ فقد رضينا بذلك فيه حظّاً، واكتفينا به فيه وعْظاً.

وأخبرنا المرزُباني عن الصولي قال: كتب ابنُ مُكرَّم الكاتب إلى أبي العَيناء:

مرّر المؤشر فوق أي كلمة في هذه الصفحة لترى معناها

مع حساب مجاني، مرّر المؤشر فوق أي كلمة في المكتبة لترى معناها، واستمع إليها مقروءة بصوت عالٍ، واحفظ الكلمات لمراجعتها في مواعيد تناسب ذاكرتك، واعرف مقدار ما تعرفه من كل كتاب.

أنشئ حسابًا مجانيًا