وأما أمر من خلفه ألله داد، في أشبارة من طوائف الأجناد، فإنهم خافوا من المغول حلول حينهم، فتحزبوا واختلف الأحزاب من بينهم، فمنهم فرقة قال قائلهم أنا على عهدي قوي فلا أخون وأمين، وقد استمسكت يدي بعروة عهد مكين، وارتبطت بحبل حلف فلا أصير من أهل الشمال باليمين، وأدنى ذلك أن نصبر حتى يصل من ألله داد رسول أو كتاب، وننظر ما يبين فيه من سلوك سنة فنميز بصائب نظرنا الخطأ في من ذلك الصواب، فإن وافق ذلك مرادنا امتثلنا ما يقول، واتبعنا في ذلك الكتاب والرسول، وتوجهنا في تلك الساعة، سالكين السنة مع الجماعة، وإن جالحنا في كلامه بخطاب أجلح، عدلنا إلى الاعتزال ومال كل منا في مصلحة نفسه إلى القول بوجوب رعاية الأصلح ومنهم شيعة مالت إلى رفض تلك الدارة، والمبادرة إلى الخروج من أشباره، وانتقلوا من تكرار هذه المجادلة إلى القتال، وقطع رأس أحد رؤوس الخراسانيين في مصاف النزال ومنهم طائفة أهمتهم أنفسهم فلو يلبثوا إلى عشية أو ضحاها، ثم تحملوا وخرجوا من المدينة وتركوا الدار تنعي من بناها، فلم يسع الباقين إلا اتباعهم في الخروج، لأن مقاماتهم من أول الزمان هناك كانت كبنيان القصور على الثلوج، فتحملوا بقضهم وقضيضهم، وتجهزوا بصحيحهم ومريضهم وتركوا البلد بما فيه من غلات ومستغلات، ونعم وخيرات، وأموال وأقمشة، ونفائس مدهشة، ولم يبق فيه من تلك الأمم المسجونة، سوى ما عجزوا عن حمله من أموال مشحونة، وسوى امرأة واحدة مجنونة، ولحقوا بألله داد، وهو عند خدايداد، فلم يعنف واحداً منهم بما فعل، واعتذر إليهم بأن خدايداد منعه أن يتوجه إلى سمرقند ويجهز لهم البدل، وأمرهم بالإقامة معه مستوفزين، وأن يكونوا لفرصة التوجه إلى سمرقند إذ لاحت منتهزين
ذكر ما تم لألله داد مع خدايداد
وكيف ختله وخلبه واسترق عقله وسلبه
ثم إن خدايداد، تحقق بوقوع هذا الفساد، وتأكد العداوة بين خليل سلطان وألله داد، فركن إليه بعض الركون، وجعل يستشيره فيما يصير من أمره وما يكون، وكان عند خدايداد طائفة من مماليك الأجناد، وتخلفوا من العساكر في تلك البلاد، وقد ضيق عليهم المسالك، وأراد أن ينقلهم من مالك إلى مالك فلم ينعم له ألله داد بذلك، وقال إن عادة الأكياس استجلاب خواطر الناس خصوصاً في مبادئ الأمور، وحدوث أوائل الشرور، فلا تنفر عنك الخلق وعاملهم أولاً بالإحسان والملق وأي فائدة من قتل هؤلاء وتمزيق أديمهم، سوى نفي الصداقة وتأكد العداوة بيننا وبين مخاديمهم، وربما يكون في خاطر أحد مخاديمهم نفرة من خليل سلطان، ويروم لذلك ظهراً وملجأ يلوذ به من رفيق ومكان، فتلجئه الضرورة إلى أن يقصد ممالك تركستان، فإذا آذيته في متعلقيه أنى يبقى له إليك ركون واطمئنان؟ وأقل ما تفعل مع هؤلاء يا إنسان، إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ومخاديم هؤلاء لنا رفقاء، ولخليل سلطان أصدقاء، فإن زرعت معهم الجميل، ملكت كل رقيق وجليل، وألقيت العداوة بين من عاداك من صديق وخليل فلما سمع كلامه، ألقى إلى يده من ذلك الأمر زمامه، فأشار عليه، بسراحهم وإحسان إليهم في غدوهم ورواحهم، فزاد في نجاحهم، وراش محصوص جناحهم وصرفهم بالعز في طريق مراحهم، فدارت بالسعد أفلاكهم، واجتمعت بهم أملاكهم ملاكهم
ذكر ورود كتاب من خليل
فيه لفظ رقيق لحل أمر جليل
ثم إن وافد خليل سلطان وفد على ألله داد، يطلب منه السعي في لم الشعث فيما وقع بينه وبين خدايداد، وأن يستعطف خاطره إلى الرضا، ويستقبل المودة ويعفو عما مضى، ومهما طلبه يتكفل به، ويعد قربه من أفضل قربه، ويكون هو السفير بينهما، وتقر بالصلح عينهما، فتوجه ألله داد، إلى خدايداد، أبلغه هذه الرسالة، وبين له ما في هذا القول من رقيقة وجلالة وسبب العداوة التي كانت بين خليل سلطان، وخدايداد على ما ذكر أن خليل سلطان، كان في أوائل الزمان، مجاوراً لخدايداد، في تلك البلاد، وكان جده جعله ناظراً عليه، وفوض أمور تربيته إليه، وكان كزاً جافياً، وجلفا جاسياً، فكان يعامله بالفظاظة، ويقابله بالكثافة والغلاظة