فقال ابنه وما عسى أن يصدر من نصف آدمي وقد أصيب بالدواهي ورمى، ولا شك أن أجله قد اقترب فلا تكونن في موته السبب، فوهبه إياه فوكل به من داواه إلى أن اندمل جرحه وبرئ قرحه، فكان في خدمة ابن سلطان هراة من أعقل الخدم وأضبط الكفاة، فتوفرت عنده حرمته وارتفعت درجته وسمعت كلمته، فعصى من نواب السلطان نائبه المتولي على سجستان، فاستدعى تيمور أن يتوجه إليه فأجابه إلى ذلك وعول عليه وأضاف إليه طائفة من الأعوان، فوصل إلى سجستان وقبض على نائبها المتمادي في العصيان واستخلص أموال تلك البلاد، وأخذ من أطاعه من الأجناد، وتلا آية العصيان بالجهر، وارتحل بمن معه إلى ما وراء النهر وقيل بل كان في خدمة ابن السلطان إلى أن ودع أبوه الحياة وانتقل، واستقر ولده في الملك واستقل فعند ذلك هرب تيمور إلى ما وراء النهر وقد قوي منه الرأس والظهر وكان إذ ذاك قد اجتمع عليه رفقاؤه وانحاز إليه أصحابه المتجرمون وعشراؤه فأرسل غياث الدين الطلب وراءهم وقصد أن يكفي المسلمين شرهم وعناءهم وهيهات فقد كان سبق العذل السيف وضيع اللبن في الصيف
ذكر عبوره جيحون على فترة
وما أجرى من عبرات بهذه العبرة
فوصل تيمور وجماعته إلى جيحون وكان إذ ذاك مثلهم طاغياً ولم يمكنهم التواني لأن الطلب كان شبيههم باغياً فقال تيمور لأصحابه النجاء النجاء ليتعلق كل منكم بعنان فرسه ومعرفته وليلق نفسه في الماء وتواعدوا إلى مكان، وقال توجهوا من غير توان فمن لم يأت الموعد يعلم أنه قد فقد فتهافتوا هم وخيولهم في ذلك الماء العجاج والتيار الزخار والأمواج تهافت الفراش على السراج ولم يعلم واحد منهم حال الآخر، ولا اطلع من تقدم منهم على أمر من تأخر، وكابدوا أحوال الموت وشاهدوا أهوال الفوت، فنجوا ولم ينقص منهم واحد، واجتمعوا إلى ذلك الموعد، وذلك بعد أن أمنت منهم البلاد، واطمأن في مسالكها كل رائح وغاد، فجعلوا يتجسسون الأخبار، ويتتبعون الآثار، ويحاربون الله ورسوله، ويؤذون عباده ويقطعون سبيله، ولم يزل على ذلك يجري ويمشي إلى أن وصل مدينة قرشي
ذكر ما جرى من خبطه في دخوله إلى قرشي
وخلاصه من تلك الورطة
فقال يوماً لأصحابه، وقد أضر به الدهر وأضرى به، وأخصب منهم ربع الفساد وأعشب أن بالقرب منا مدينة نخشب مدينة أبي تراب النخشبي رحمة الله عليه، مدينة مصونة، مسورة مكنونة لئن ظفرنا بها لتكونن لنا ظهراً وملاذاً وملجأ ومعاذا، وإن حاكمها موسى لو حصلناه وأخذنا ماله وقتلناه، لتقوينا بما له من خيول وعدة، ولحصل لنا الفرج بعد الشدة، وأنا أعلم لها من ممر الماء درباً هين الوصول واسعاً رحباً فشمروا ذيلهم وتركوا في مكان خيلهم واستعملوا في نيل مرادهم ليلهم ودخلوا حبس المدينة وقصدوا بيت الأمير، ورفعوا أيديهم فصادفوا يدهم والحصير وكان الأمير في البستان خارج البلد، فأخذوا ما وجدوا له من أسلحة وعدد وركبوا خيله، وقتلوا من وجدوا من الأكابر غيلة، فاجتمع عليهم أهل البلد وأرسلوا إلى الأمير فأدركهم بالمدد، فتراكم عليهم البلاء باطناً وظاهراً فلم يجدوا لهم سوى الاستسلام ناصرا فقال له أصحابه لقد ألقينا بأنفسنا إلى حقيقة الهلاك من هذا المجاز فقال لا عليكم ففي مثل هذه المواطن يمتحن الرجل ويراز، فأجمعوا كيدكم ثم إئتوا صفاً واندفعوا نحو باب المدينة يداً واحدة زحفاً، حاطمين على العدو، من غير توان ولا هدو، فإني أظن أنه لا يثبت لكم شيء، ولا يقف أمامكم حي، فامتثلوا أمره ورفعوا الصوت، وقصدوا الباب خائضين غمار الموت، وهجموا على العساكر هجوم الليث واندفقوا ولا اندفاق الغيث، ففتح لهم عند فتح الباب، لأمر يريده مسبب الأسباب فلم يلو أمامهم أحد على أحد ولا نفعه ما هو فيه من العدد والعدد ثم انثنوا إلى مكانهم سالمين ولم يزالوا على ذلك عائثين عابثين واجتمع عليهم أصحابهم، وانحاز إليهم في الفساد أضرابهم، فصاروا نحو من ثلاثمائة، ولمن يتحيز إليهم من أهل الشر فئة فأرسل السلطان إليهم عسكراً غير مكترث بهم فكسروه، واستولوا على حصن من الحصون فجعلوه معقلاً لكل ما ادخروه
قلت لا تحقرن شأن العدو وكيده ... فلربما صرع الأسود الثعلب
وقيل إن البعوضة تدمي مقلة الأسد وقيل ولربما قمرت بالبيدق الشاه
ذكر من استرقه ذلك الجاف واستعبده