ثم توجه نحو تختها وهي مدينة دهلي، مصر عظيم جمع فنون الفضل وأرباب الفخر الجلي، معقل التجار، ومعدن الجواهر والبهار، فتمنعت عليه بالحصار، فأحاط بذلك السواد الأعظم، من عساكره السواد الأعظم، ومن معه من الخلائق والأمم، فقيل إن هذه العساكر والخلائق مع عظمها وكثرتها، لم يقدروا أن يكتنفوها لسعة دائرتها، وأنه أخذها من أحد جوانبها بالمحاصرة، وتم الجانب الآخر ثلاث أيام في المحاربة والمكاشرة لم يدر من في الجانب المحاصر، لبعد المدى وكثرة الأمم ما فعل بالجانب الآخر
ذكر وصول ذلك الخبر إلى ذلك العقوق
بوفاة الملكين أبي العباس أحمد والملك الظاهر برقوق
وبينا هو استولى على كرسي الهند وأمصاره، واحتوى على ممالكه وأقطاره، وبلغت مراسيمه ذرا أنجاده، وأعماق أغواره، وانبث جيشه في ولاياتها سهلاً ووعرا، وظهر فساده في رعاياها براً وبحراً إذ وفد عليه المبشر من جانب الشام، أن القاضي برهان الدين أحمد السيواسي والملك الظاهر أبا سعيد برقوق انتقلا إلى دار السلام، فسر بذلك وانشرح، وكاد أن يطير إلى جهة الشام من الفرح فنجز بسرعة أمور الهند، ونقل إلى مملكته من فيها من العساكر والجند، بما أخذه من الأثقال، ونفائس الأموال، ووزع ذلك الجمهور، وسائر الجند المأسور، على أطراف ما وراء النهر من الحدود والثغور، وأقام في الهند نائباً من غير وجل ثم صدر عن سمرقند قاصداً إلى الشام على عجل، ومعه من الهند رؤوس أجنادها ووجوه أعيانها، وسلطان أفيالها وأفيال سلطانها، ثم توجه قرير العين بتلك الطوائف الطافية، في أوائل سنة اثنتين وثمانمائة، وانصب بذلك الطوفان، من جيحون إلى خراسان، وكان قد قرر ولده لصلبه أميران شاه بمملكة تبريز وتلك الديار، والسلطان أحمد قد رجع إلى بغداد وهو مستوفز للفرار، وسبب حركته إلى بلاد الشام " وإن كان في إهلاك الحرث والنسل مالكي الالتزام " ما فعله القاضي برهان الدين حاكم سيواس بقصاده الأغتام، لكنه أراد أن يغم مقصده، ويغطي عن الناس مصدره ومورده قلت بديها
وأنى يختفي للشمس ضوء ... عن الأبصار في صحو النهار
وكيف يسر ذفر المسك يحشى ... خياشم الورى في يوم حار
وأنى يختفي للطبل صوت ... عن الأسماع في وقت النفار
فإن قصده كان بعيد المدد، طويل الأمد، محتاجاً إلى إعداد أهبة السلوك، ويخسأ أن يضاهي غزوة تبوك وأظهر سبباً أبطن فيه، ما رامه من مكره ودواهيه، وأشاع ذلك وأذاع، فامتلأت منه القلوب والأسماع
معنى كتاب وفد وهو في الهند عليه
زعموا أن ولده أميران شاه أرسله إليه
وذلك أن ابنه أميران شاه المذكور راسله، وأنهى إليه يقول على ما قيل في بعض ما قاوله وحاوله، إنك قد عجزت لكبر سنك، وشمول الضعف ببدنك ووهنك، عن إقامة شعائر الرياسة، والقيام بأعباء الإيالة والسياسة، والأولى بحالك إن كنت من المتقين، أن تقعد في زاوية مسجد وتعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وقد تم في أولادك وأحفادك، من يكفيك أمر رعيتك وأجنادك، ويقوم بحفظ مملكتك وبلادك، وأنى لك بلاد وممالك؟ وأنت عن قريب هالك فإن كان لك عين باصرة، وبصيرة في نقد الأشياء ماهرة، فاترك الدنيا واشتغل بعمل الآخرة، ولو ملكت ملك شداد، ورجع إليك اقتدار العمالقة وعاد، وساعدك النصر والعون، حتى تبلغ مقام هامان وفرعون، ورفع إليك خراج الربع المسكون، حتى تفوق في جمع المال قارون، وحدث في خراب البلاد كبختنصر، الذي طول الله تعالى له فقصر وبالجملة فلو بلغ سلطانك الأقطار، وقضيت من دنياك غاية الأوطار، وصار عمرك فيها أطول الأعمار، وخدامك فيها ملوكها الأغمار، فقصر جندك قيصر وكسر كسرى فانكسر، وتبعك تبع والنجاشي، وأوساط الملوك والأقيال غدوا لك خداماً وحواشي، وغفر لك فغفور بالثناء فاه، وأخنيت على الخان وخاقان فوجه كل رقعة دستك شاه، وأذعن لك فرعون مصر وسلطانها وجبى لك على يد جببو الدين إيران الدنيا وتورانها، وآل أمرك إلى أن دان لك سكان الأقاليم وقطانها، أليس قصارى تطاول قصورك إلى القصور، ونهاية كمالك النقص وحياتك الموت وسكناك القبور؟ قلت
فعش ما شئت في الدنيا وأدرك ... بها ما رمت من صيت وصوت
فخيط العيش موصول بقطع ... وحبل العمر معقود بموت
وقيل