FluentPlex

The Wonders of Destiny

من الحرب والويل تحت جنح الليل

Original text Public domain

Read with the dictionary

من الحرب والويل تحت جنح الليل

فعمد إلى فرس جفول، من بين الخيول، أجمح من دهر رمح وأرمح من عصر جمح، وأتى بها عسكر العدو وقد أخذ الليل في الهدو، ثم ربط في ذنبها قدراً من النحاس، ملفوفة في قطعة بلاس، وشدها شدة أحكم وثاقها، وصوب رأسها نحو العدو وساقها، فجالت الفرس في المعسكر واضطربت، واختبطت الناس واحتربت وانسابت جداول السيوف في بطون تلك البحار وانسربت، حتى كأن الساعة اقتربت، مواأو السماء عليهم بالشهب انقلبت، والأرض بهم اهتزت وربت وشاه منصور واقف حواليهم كالبازي المطل عليهم، يقتل من شذ، ويبيد من فذ وصار كما قيل

الليل داج والكباش تنتطح ... نطاح جد ما أراها تصطلح

فقائم وقاعد ومنبطح ... فمن نجا برأسه فقد ربح

قيل أنهم اقتتلوا فيما بينهم حتى فني نحو من عشرة آلاف نفس، فلما قوض الليل خيامه ورفع النهار أعلامه، علموا البلاء كيف دهاهم، وليت الليل لم يكن فارق ذراهم ثم إن شاه منصور أصبح وقد قل ناصره وفل مؤازره، فانتخب من جماعته فئة نحواً من خمسمائة، فجعل يصول بهم صولة الأسد، ويخوض بهم غمار الموت، فلا يلوي أمامهم أحد على أحد، ويميل يسره ويمنه وينتسب ويصيح أنا شاه منصور الصابر المحتسب، فتراهم بين يديه حمرا مستنفرة فرت من قسورة، وقصد مكاناً فيه تيمور فهرب منه ودخل بين النساء واختفى بينهن وغطى بكساء، فبادرنه وقلن نحن حرم وأشرن إلى طائفة من العسكر المصطدم وقلن هناك بغيتك وبين أولئك طلبتك، فألوى راجعاً وتركهن مخادعا وقصد حيث أشرن إليه وقد أحاطت به جموع العساكر وحلقت عليه قلت بديهاً

وما حز أعناق الرجال سوى النسا ... وأي بلاء مالهن به أبلى

وكم نار أحرقت كبد الورى ... ولم يك إلا مكرهن لها أصلا

وكان على فرس فاقت خصالا فضرب فيهم بسيفين يميناً وشمالا، وفرسه السبوح كانت تقاتل معه وتصدم وتكدم من يقربها في تلك المعمعة وكأنه ينشد معنى ما قلته في " مرآة الأدب "

يد الله قوتني فغلت يداهم ... وهذى يدي فيهم بسيفين تضرب

فصار كلما قصد رعلة من تلك الرعال، افترقت أمامه يميناً وشمالا وإن كانوا كلهم من أهل الشمال ولكن

إذا لم يكن عون الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده

حتى أنهكته الحرب وكلت يداه من الطعن والضرب، وجندلت أبطاله وقتلت خيله ورجاله وتغيرت من كل جهة أحواله، وسدت طرائقه وشدت مضايقه وخرست شقاشقه وضرست فيالقه وخمدت بوارقه وهمدت بيادقه وحص جناحه وقص نجاحه وخف مداحه وأثقلت جراحه وسكنت غمغمته، فانفرد عن أصحابه وقد آده الجراح وأودى به ولم يبق معه في ذلك البحر سوى نفرين أحدهما يدعى توكل والآخر مهتر فخر، وأخذه الدهش، وغلب عليه العطش ونشف الرهج والوهج كبده وطلب شربة ماء فما وجده فلو وجد ما يبل له ريقه لما قدر أحد أن يقطع عليه طريقه، فرأى الأولى طرح نفسه بين القتلى، فأطرح بينهم نفسه، ورمى أهبته وسيب فرسه وقتل توكل ونجا فخر الدين، وبه من الجراح نحو من سبعين، وعمر بعد ذلك حتى بلغ تسعين، وكان من الأبطال والمصارعين فتراجع جيش تيمور وتضام، وانتعش بعد أن بلغ موارد الحمام، وذلك بعد أن قتل منهم مالا يعد، وأفنى ليلاً ونهاراً مالا يحصر ولا يحد

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account