وكما كان له من دهاء، وفكر خفي وذكاء، ومن جملة ذلك أنه لما كان بالشام، وقد قابلته العساكر الإسلام، أشاع أن سوار أساورته تخلخل، وتأخر قليلاً إلى وراء وتحلحل، وأذاع أنه أعوز خيله ورجله الزاد، وأنه صائب صوب بغداد، ثم أسفرت القضية، عن أن انهزمت العساكر المصرية، وكان قصده بذلك تثبيت جأشهم، واستقرار رؤسائهم وأوباشهم، وأن يكز كل منهم على أزم، فيربض في مكانه ولا ينهزم، فيحيط بالكل كيده، ويصير المجموع صيده ومما يحكى من شدة عزمه، وثباته على ما يقصده وحزمه، وحلول نقمته ممن يعارضه، ويعاكسه فيما يرسم ويناقضه، أنه لما توجه بالجنود، إلى بلاد الهنود، بلغ إلى قلعة شاهقة، أقراط الدراري بآذان مراميها عالقة، ورجوم النجوم الخارقة، تتعلم الإصابة من رشاقة سهامها الراشقة، كأن بهرام في مهواه أحد سواطيرها، وكيوان في مسراه خادم نواطيرها، والشمس في استوائها غرة جبينها، وقطرات السحاب في الانسكاب تترشح من قعر معينها، وشقة الشفق الحمراء، على آذان مراميها، وأنوف أبدانها سرادق، وكريات نجوم القبة الخضراء لعيون مكاحلها وأفواه مدافعها طابات وبنادق فيها من الهنود طائفة، ثابتة الجنان غير خائفة، جهزت أهلها وما تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة، وثبتت هي في تلك القلعة حافظة لها متحرزة، مع أنها شرذمة قليلة، وطائفة ذليلة، لا خير عندهم ولا مير، ولا فائدة سوى الضرر والضير، ولا للقتال عليها سبيل، ولا حواليها لأحد مبيت ولا مقيل، بل هي مطلة على المقاتلة مستمكنة من المقاتلة، فأبى أن يجاوزها، دون أن يناحرها بالحصار ويناجزها " واللبيب العاقل، ما يترك لخصمه وراءه معاقل " فجعلت المقاتلة تناوشها من بعيد، ويصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد كما يريد فكان كل يوم يقتل من عسكره مالا يحصى والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصا، وهو يأبى الرحيل عنها، إلا أن يصل إلى غرضه منها ففي بعض أيام المحاصرة مطروا، وبواسطة المطر انحصروا، وصار يحثهم على القتال، وركب لينظر ماذا يصنعون في تلك الحال، فلم يرتض أفعالهم لما عكست أوحالهم أحوالهم فدعا منهم رءوس الأمراء، وزعماء العسكر والكبراء، وأخذ يمزق أديم عصمتم بشفار شتمه، ويشقق ستر حرمتهم بمخاليب لعنه وذمه، ونفخ الشيطان في خيشومه، فألهب فيهم نيران غضبه وشومه، وقال يا لئام، وأكلة الحرام، تنقلبون في نعمائي، وتتوانون عن أعدائي، جعل الله نعمتي عليكم وبالاً، وألبسكم بكفرانها خيبة ونكالاً يا فاجري الذمم، وكافري النعم، وساقطي الهمم، ومستوجبي النقم، ألم تطئوا أعناق الملوك بأقدام إقدامي، وتطيروا إلى آفاق الدنيا بأجنحة إحساني وإكرامي، وتفتحوا مغلقات الفتوح بحسام صولتي، وتسرحوا في منتزهات الأقاليم سوائم تحكمكم بترعية دولتي؟ بي ملكتم مشارق الأرض ومغاربها، وأذبتم جامدها وأجمدتم ذائبها
ألم أك ناراً يصطليها عدوكم ... وحرزاً لما ألجأتم من ورائيا
وباسط خير فيكم بيمينه ... وقابض شر عنكم بشماليا
ولا زال يهمهم ويغمغم، ويهذرم ويبرطم، وهم مطرقون ولا يحيرون جواباً ولا يملكون منه خطابا، ثم ازداد حنقاً، وكاد أن يموت خنقاً، فاخترط السيف بيده اليسرى، وهمز به على قمم أولئك الأسرى، وهم أن يجعل رقابهم قرابة، ويسقي من دمائهم فرنده وذبابه، وهم على تلك الحال في الخزي والإذلال، باذلوا نفوسهم، ناكسوا رؤوسهم ثم تراجع وتماسك، وملك نفسه قليلاً أو تمالك، فأغمد على تشريقهم حسامه، ولم يلق لأمره قبلة ولا دبرة فغلف غربه وشامه، ثم نزل عن مركبه واستدعى الشطرنج الكبير ليلعب به، وكان عنده شخص يدعى محمد قاوجين، هو لديه ذو مكان مكين، ومقام أمين، مقدم على الوزراء، ومبجل دون سائر الأمراء، مسموع القول، مقبول الرأي، ميمون النقيبة، محبوب الشكل، فتشفعوا إليه، وعولوا في حل هذا الإشكال عليه، وقالوا ساعدنا ولو بلفظة وراقبنا ولو بلحظة، واعمل معنا، بهذا المعنى قلت
ساعد بجاهك من يغشاك مفتقراً ... فالجود بالجاه فوق الجود بالمال
وبما قيل
وأهون ما يعطي الصديق صديقه ... من الهين الميسور أن يتكلما
وبما قيل
وإن امرءاً قد ضن عني بمنطق ... يسد به من خلتي لضنين