فأما الكتب التي ذكرها الاستاذ أبو الخير بن الخمار فالطبيب مضطر إلى معرفتها وأضافتها إلى الكتب التي عددناها، غير أنه يمكنه من نفسه الوقف على معانيها، واستنباط الأغراض منها بالقوة المستفادة من الستة عشر التي هي القوانيين لما سواها، والمراقي إلى ما عداها، فإن قلت فما حجة الاسكندرانيين في ترتيبهم لهذه الكتب؟ قلنا إنهم رتبوا بعضها بحسب استحقاقه في نفسه، بمنزلة كتاب الفرق، فإنه وجب تقديمه لتتنقى به نفس المتعلم من شكوك أصحاب التجربة والمحتالين ومغالطاتهم ويتحقق رأي أصحاب القياس فيقتدي بهم، وبمنزلة الصناعة الصغيرة، فإنها لما كانت فيها شرارة من صناعة الطب، كان الأولى أن يتبع بها كتاب الفرق ويجعل مدخلاً إلى الطب، ورتبوا بعضها بحسب ما توجبه إضافته إلى غيره بمنزلة الكتاب الصغير في النبض، فإنه جُعل تابعاً للصناعة الصغيرة، لأن جالينوس ذكر فيها النبض عند ذكره لمزاج القلب، ووجب أيضاً تقديمه على كتاب جالينوس إلى أغلوقن، لأنه تكلم في هذا الكتاب في الحميات والنبض وهو أول شيء يعرف منه أمر الحميات.
على أن الترتيب الذي ذكره الاستاذ أبو الخير أن جالينوس أشار إليه، وهو لعمري الترتيب الصناعي، وذلك أنه يجب على كل ذي صناعة أن يتدرج في تعليمها من أظهر إلى الأخفى؛ ومن الأخير إلى المبدأ، والتشريح هو علم البدن وأعضائه، وهذه هي أول ما يظهر لنا من الإنسان، وإن آخر ما تفعله الطبيعة، فإن الطبيعة تأخذ أولاً الاسطقسات، ثم تمزجها فيحصل منها الاخلاط؛ ثم تفعل القوى الأعضاء، فيجب أن يكون طريقنا في التعليم بالعكس من طريق الطبيعة في التكوين، ولكنا ندع هذا الاضطرار، ونرضى ترتيب الاسكندرانيين، لأن العلم حاصل على كل حال وخرق اجماع الحكماء معدود من الخرق، أقول وللاسكندرانيين أيضاً جوامع كثيرة في العلوم الحكمية والطب ولا سيما لكتب جالينوس، وشروحاتها لكتب أبقراط، فأما الأطباء المذكورون من النصارى وغيرهم ممن كان معاصراً هؤلاء الأطباء الاسكندرانيين، وقريباً من أزمنتهم فمنهم شمعون الراهب، المعروف بطيبويه، وأهرن لاقس صاحب الكناش، وألف كناشه بالسريانية، ونقله ماسرجيس إلى العربي، وهو ثلاثون مقالة، وزاد ما سرجيس مقالتين، ويوحنا بن سرابيون، وجميع ما ألف سرياني، وكان والده سرابيون طبيباً من أهل باجرمي، وخرج ولداه طبيبين فاضلين وهما يوحنا وداوود، وليوحنا بن سرابيون من الكتب كناش الكبير، اثنتا عشرة مقالة، كناش الصغير، وهو المشهور،؟ سبع مقالات، ونقله الحديثي الكاتب لأبي الحسن بن نفيس المتطبب في سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وهو أحسن عبارة من نقل الحسن بن البهلول الأواني الطبرهاني ونقله أيضاً أبو البشر متَّى.
ومنهم أنطيلس وبرطلاوس؛ وسندهشار؛ والقهلمان؛ وأبو جريج الراهب؛ وأوراس؛ وبوينوس البيروتي؛ وسيورخنا؛ وفلاغوسوس؛ عيسى بن قسطنطين ويكنى أبا موسى، وكان من جملة أفاضل الأطباء، وله من الكتب كتاب الأدوية المفردة، كتاب في البواسير وعللها وعلاجها؛ وأرس وسرجس الرأس عيني، وهو أول من نقل كتب اليونانين على ما قيل إلى لغة السريانيين، وكان فاضلاً وله مصنفات كثيرة في الطب والفلسفة؛ وأطنوس الآمدي صاحب الكناش المعروف ببقوقونا، غريغوريوس صاحب الكناش، وأكثر كتب هؤلاء موجودة وقد نقل الرازي كثيراً من كلامهم في كناشه الكبير الجامع المعروف بالحاوي.
الباب السابع
طبقات الأطبَّاء الذين كانوا في أول ظهُور الإسْلاَم
من أطبَّاء العَرب وَغَيرهم