أقول وكان الرازي ذكياً فطناً رؤوفاً بالمرضى، مجتهداً في علاجهم وفي برئهم بكل وجه يقدر عليه، مواظباً للنظر في غوامض صناعة الطب والكشف عن حقائقها وأسرارها، وكذلك في غيرها من العلوم بحيث أنه لم يكن له دأب ولا عناية في جل أوقاته إلا في الاجتهاد والتطلع فيما قد دونه الأفاضل من العلماء في كتبهم، حتى وجدته يقول في بعض كتبه أنه كان لي صديق نبيل يسامرني على قراءة كتب بقراط وجالينوس، وللرازي أخبار كثيرة وفوائد متفرقة فيما حصل له من التمهر في صناعة الطب، وفيما تفرد به في مداواة المرضى، وفي الاستدلال على أحوالهم من تقدمة المعرفة، وفيما خبره من الصفات والأدوية التي لم يصل إلى علمها كثير من الأطباء، وله في ذلك حكايات كثيرة وقعت له قد تضمنها كثير من كتبه، وقد ذكر من ذلك جملاً في باب مفرد من كتابه الحاوي، وفي كتابه في سر الطب، ومما حكي عنه من بدائع وصفه وجودة استدلاله، قال القاضي أبو علي المحسن بن علي بن أبي جهم التنوخي في كتاب، الفرج بعد الشدة حدثني محمد بن علي بن الخلال البصري أبو الحسين أحد أمناء القضاة، قال حدثني بعض أهل الطب الثقاة، أن غلاماً من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه، فاستدعى أبا بكر الرازي، الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فأراه ما ينفث ووصف ما يجد، فأخذ الرازي مجسته ورأى قارورته، واستوصف حاله منذ بدأ ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة؛ ولم يعرف العلة؛ فاستنظر الرجل ليتفكر في الأمر، فقامت على العليل القيامة، وقال هذا يأس لي من الحياة لحذق المتطبب وجهله بالعلة، فازداد ما به وولد الفكر للرازي أن أعاد عليه فسأله عن المياه التي شربها في طريقه فأخبره أنه قد شرب من مستنقعات وصهاريج، فقام في نفس أبي بكر محمد بن زكريا الرازي المتطبب الرأي بحدة الخاطر وجودة الذكاء، أن علقة كانت في الماء فحصلت في معدته، وأن ذلك النفث للدم من فعلها، فقال له إذا كان في غد جئتك فعالجتك ولم أنصرف أو تبرأ، ولكن بشرط تأمر غلمانك أن يطيعوني فيك بما آمرهم به، فقال نعم، وانصرف الرازي فتقدم فجمع له ملء مركنين كبيرين من طحلب أخضر فأحضرهما من غد معه وأراه إياهما وقال له ابلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئاً يسيراً ثم وقف فقال ابلع فقال لا أستطيع، فقال للغلمان خذوه فأنيموه على قفاه، ففعلوا به ذلك وطرحوه على قفاه وفتحوا فاه، وأقبل الرازي يدس الطحلب في حلقه ويكبسه كبساً شديداً ويطالبه ببلعه شاء أم أبى، ويتهدده بالضرب إلى أن بلّعه كارهاً أحد المركنين بأسره، والرجل يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء، إلى أن قال الساعة اقذف، فزاد الرازي فيما يكبسه في حلقه، فذرعه القيء فقذف وتأمل الرازي قذفه فإذا فيه علقة، وإذا هي لما وصل إليها الطحلب قرمت إليه بالطبع وتركت موضعها، والتفت على الطحلب؛ فلما قذف الرجل خرجت مع الطحلب، ونهض الرجل معافى.
Lives of the Physicians
أبو بكر محمد بن زكريا الرازيOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.