قال جالينوس ومن هذه حاله ليس إنما يستخف بالغني فقط، بل بالخفض والدعة، ويؤثر التعب والنصب عليها في جنب الفضيلة، ومن بعض التواريخ القديمة أن أبقراط كان في زمن بهمن بن أزدشير وكان بهمن قد اعتل، فأنفذ إلى أهل بلد أبقراط يستدعيه فامتنعوا من ذلك، وقالوا إن أخرج أبقراط من مدينتنا، خرجنا جميعاً وقتلنا دونه، فرق لهم بهمن واقره عندهم، وظهر أبقراط سنة ست وتسعين لبختنصر وهي سنة أربع عشرة للملك بهمن، قال سليمان بن حسان المعروف بابن جلجل ورأيت حكاية طريفة لأبقراط استحلينا ذكرها لندل بها على فضله، وذلك أن أفليمون صاحب الفراسة كان يزعم في فراسته أنه يستدل بتركيب الإنسان على أخلاق نفسه، فاجتمع تلاميذ أبقراط وقال بعضهم لبعض هل تعلمون في دهرنا أفضل من هذا المرء الفاضل؟ فقالوا ما نعلم، فقال بعضهم تعالوا نمتحن به أفليمون فيما يدعه من الفراسة فصوروا صورة أبقراط، ثم نهضوا بها إلى أفليمون، فقالوا له أيها الفاضل، انظر هذا الشخص واحكم على أخلاق نفسه من تركيبه، فنظر إليه، وقرن أعضاءه بعضها ببعض، ثم حكم، فقال رجل يحب الزنا، فقالوا له كذبت، هذه صورة أبقراط الحكيم فقال لهم لا بد لعلمي أن يصدق فاسألوه فإن المرء لا يرضى بالكذب فرجعوا إلى أبقراط وأخبروه بالخبر وما صنعوا وما قال لهم أفليمون، فقال أبقراط صدق أفليمون أحب الزنا، ولكني أملك نفسي، فهذا يدل على فضل أبقراط وملكه لنفسه، ورياضته لها بالفضيلة، أقول وقد تنسب هذه الحكاية إلى سقراط الفليسوف وتلامذته، فأما تفسير اسم أبقراط فإن معناه ضابط الخيل، وقيل معناه ماسك الصحة، وقيل ماسك الأرواح، وأصل اسمه باليونانية أيفوقراطيس، ويقال هو بقراطيس، وإنما العرب عادتها تخفيف الأسماء واختصار المعاني، فخففت هذا الاسم فقالوا أبقراط وبقراط أيضاً، وقد جرى ذلك كثيراً في الشعر ويقال أيضاً بالتاء أبقرات وبقرات، وقال المبشر بن فاتك في كتاب مختار الحكم ومحاسن الكلم، أن أبقراط كان ربعة، أبيض، حسن الصورة، أشهل العينين، غليظ العظام، ذا عصب، معتدل اللحية أبيضها، منحني الظهر، عظيم الهامة، بطيء الحركة، إذا التفت التفت بكليته، كثير الإطراق، مصيب القول، متأنياً في كلامه، يكرر على السامع منه، ونعلاه أبداً بين يديه إذا جلس؛ وإن كلِّم أجاب وإن سُكت عنه سأل؛ وإن جلس كان نظره إلى الأرض، معه مداعبة، كثير الصوم، قليل الأكل، بيده أبدا إما مبضع وإما مرود، وقال حنين بن اسحاق، في كتاب نوادر الفلاسفة والحكماء أنه كان منقوشاً على فص خاتم أبقراط المريض الذي يشتهي أرجى عندي من الصحيح الذي لا يشتهي شيئاً
Lives of the Physicians
قسم أبقراطOriginal text Public domain
Hover any word on this page for its meaning
With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.