عفا اللّه عنك ألا حرمة ... تعوذ بعفوك أن أبعدا
لئن جلّ ذنب ولم أعتمده ... لأنت أجلّ وأعلى يدا
ألم تر عبد اً عدا طوره ... ومولّىً عفا ورشيدا هدى
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا
أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى
وجد بعض الأمراء على رجل فجفاه وآطّرحه حيناً ثم دعا به ليسأله عن شيء فرآه ناحلاً شاحباً. فقال: متى اعتللت؟ فقال:
ما مسّني سقمٌ ولكنني ... جفوت نفسي إذ جفاني الأمير
فعاد له وقال آخر:
ألا إن خير العفو عفوٌ معجّل ... وشر العقاب ما يجاز به القدر
وكان يقال: بحسب العقوبة أن تكون على مقدار الذنب.
وفي العفو: قال بعضهم: إن عاقبت جازيت وإن عفوت أحسنت والعفو أقرب للتقوى.
ونحوه: قال رجل لبعض الأمراء: أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي إلاّ نظرت في أمري نظر من برئي أحبّ إليه من سقمي وبراءتي أحبّ إليه من جرمي.
ونحوه قول آخر: قديم الحرمة وحديث التوبة يمحقان ما بينهما من الإساءة.
وفي مثله: أتى الأحنف ابن قيس مصعب بن الزبير فكلّمه في قوم حبسهم، فقال: أصلح اللّه الأمير، إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم. فخلاّهم.
وفي مثله: أمر معاوية بعقوبة روح بن زنباع فقال له روح: أنشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تضع مني خسيسة أنت رفعتهم أو تنقض مني مرّة أنت أبرمتهم أو تشمت بي عدواً أنت وقمته وإلاّ أتى حلمك وعفوك على جهلي وإساءتي. فقال معاوية: خلّيا عنه. ثم أنشد: إذا اللّه سنّى عقد أمرٍ تيسرا وفي مثله: أمر عمر بن عبد العزيز بعقوبة رجل قد كان نذر إن أمكنه اللّه منه ليفعلنّ به وليفعلن. فقال له رجاء بن حيوة: قد فعل اللّه ما تحب من الظفر فافعل ما يحب اللّه من العفو.
وفي مثله: قال ابن القرّيّة للحجاج في كلام له: أقلني عثرتي وأسغني ريقي فإنه لا بد للجواد من كبوة ولا بد للسيف من نبوة ولا بد للحليم من هفوة. فقال الحجاج: كلاّ، واللّه حتى أوردك جهنم. ألست القائل برستقباذ: تغدّوا الجدي قبل أن يتعشّاكم.
وفي مثله: أمر عبد الملك بن مروان بقتل رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أعزّ ما تكون أحوج ما تكون إلى اللّه، فاعف له فإنك به تعان وإليه تعود. فخلّى سبيله.
وفي مثله: قال خالد بن عبد اللّه لسليمان بعد أن عذبه " بما عذّبه به " : إن القدرة تذهب الحفيظة وقد جلّ قدرك عن العتاب ونحن مقرّون بالذنب، فإن تعف فأهل العفو وإن تعاقب فبما كان منا. فقال: " أولى لك " أمّا حتّى تأتي الشأم راجلاً فلا عفو.
وفي مثله: ضرب الحجاج أعناق أسارى أتي بهم، فقال رجل منهم: واللّه لئن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في المكافأة. فقال الحجاج: أفٍّ لهذه الجيف! أما كان فيهم أحد يحسن مثل هذا! وكفّ عن القتل.
وفي مثله بين مصعب بن الزبير ورجل من أصحاب المختار الثقفي
أخذ مصعب بن الزبير رجلاً من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه. فقال: أيهم الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتكن هذه الحسنة ووجهك هذا الذي يستضاء به فأتعلق بأطرافك وأقول أي ربّ سل مصعباً فيم قتلني. قال: أطلقوه. قال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض. قال: أعطوه مائة ألف. قال: بأبي أنت وأمي، أشهد اللّه أن لابن قيس الرّقيات منهم خمسين ألفاً. قال: ولم؟ قال: لقوله فيك:
إنما مصعبٌ شهم ب من الل ... ه تجلّت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رحمة ليس فيه ... جبروتٌ يخشى ولا كبرياء
يتقي اللّه في الأمور وقد أف ... لح من كان همّه الاتقاء
فضحك مصعب، وقال: أرى فيك موضعاً للصنيعة. وأمرو بلزومه وأحسن إليه فلم يزل معه حتى قتل.
وفي مثله بين عبد الملك بن مروان وعبد الملك بن الحجاج
قال عبد الملك بن الحجاج التغلبي لعبد الملك بن مروان: هربت إليك من العراق.
قال: كذبت، ليس إلينا هربت، ولكنك هربت من دم الحسين وخفت على دمك فلجأت إلينا.
ثم جاء يوماً آخر فقال:
أدنو لترحمني وترتق خلّتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع
ونحوه قول الآخر: