قال ثمامة بن أشرس: دخلت دير هرقل فرأيت فيه شاباً مشدوداً إلى سارية. فقال لي ما اسمك؟ قلت ثمامة، قال المتكلم ؟ قلت نعم. قال يا ثمامة ! هل للنوم لذة ؟ قلت نعم. قال متى يجدها صاحبها ؟ إن قلت قبل النوم أجلت، وإن قلت مع النوم أخطأت، لأنه ذاهب العقل. وإن قلت بعد النوم أخطأت لأنه قد انقضى. قلت وما تقول أنت ؟ قال إن النعاس داء يحل بالبدن ودواؤه النوم.
شاب
دخل الأمير سعيد مع وزيره دار المرضى فإذا شاب مسلسل، فلما رأى الأمير قال له أيها الأمير ! هذا وزيرك ؟ قال نعم. قال يزعم إنه أقل الناس فإن سألته مسألة. قال سله. قال ما أكثر الأشياء ؟ قال ذوات الأربع قال ليس كذلك. قال فما هو ؟ قال لا أقول حتى تقول بالعجز. قال قد أقررت. قال أكثر الأشياء الهموم. قال ملم ؟ قال لأن نصيبي منها أوفر الأنصباء. قال الأمير سل حاجتك. قال مسكة عقل أعيش به وأنجو من هذا القيد. قال ليس ذلك إلي. قال فلا حاجة لي في سواه.
شيخ
قال جنيد البغدادي رحمه الله: دخلت دار المرضى بمصر فرأيت شيخاً فقال لي ما اسمك ؟ قلت جنيد. قال عراقي. قلت نعم. قال ومن أهل المحبة ؟ قلت نعم. قال فما الحب ؟ قلت إيثار المحبوب على ما سواه. فقال الحب حبان حب لعلة، وحب لغير علة. فأما الذي لعلة فرؤية الاحسان. وأما الذي لغير علة فلأنه أهل لأن يحب. ثم أنشد:
أُحبك حبين حبّ الهوى ... وحباً لأنك أهل لذاكا
وأما الذي هو حب الهوى ... فحبّ شغلت به عن سواكا
فأما الذي أنت أهل له ... فلست أرى العيش حتى أراكا
وما الذي فلا عيش لي ... ولكن لك الحمد في ذا وذاكا
شيخ مجنون
قال أبو غسان الاسماعيلي: دخلت البصرة فرأيت شيخاً مجنوناً قد غلت يداه، وأحدث به الناس، فرحمته وأزحت الناس عنه، فتنفس الصعداء واستعبر ثم قال:
لقد صبرت على المكروه أسمعه ... من معشر فيك لولا أنت ما نطقوا
وفيك داريت أقواماً أُجاملهم ... ولولاك ما كنت أدري انهم خلقوا
الحمد للّه حمداً لا شريك له ... كأنني بدعةٌ من بين من عشقوا
مجنون
قال بعض السياح: دخلت مسجد البصرة فإذا فقير عليه أثر البؤس وهو يترنم في نفسه، فإذا هو مجنون، فلما دنوت منه سكت. فقلت له أعد ما كنت تقوله ؟ فقال ارتجالاً:
أشار قلبي إليك كيما ... يرى الذي لا تراه عيني
وأنت تلقي على ضميري ... حلاوة الؤل والتمني
تريد مني اختبار سري ... وقد علمت المراد مني
وليس لي في سواك حظ ... فكيفما شئت فاختبرني
روى أحمد بن عمران السوادي لبعض المجانين:
ولست بقوّال لذي الزاد أبقه ... فإنك إن لم تبق زادك ينفد
ولا ناظر في وجهه ثم قائل ... الا لا تصاحبنا إذا لم تزودّ
رجل
قال عمر بن عثمان الصوفي: دخلت جبال الشام وإذا أنا برجل في كوخ، فأقمت عليه يوماً وليلة لم أسمع كلاماً، فخرج من كوخه فرفع طرفه إلى السماء وقال: إلهي ! شهد قلبي لك في النوازل بسعة روح الفضل، وكيف لا يشهد لك قلبي بذلك أفأحسب أن يألف قلبي غيرك ؟ هيهات ! لقد خاب لديك المقصرون. ثم قال: إلهي ما أحلى ذكرك ! ألست الذي قصدك المؤملون ؟ فنالوا منك ما طلبوا. فقلت أصلحك الله إني منتظرك منذ يوم وليلة أُريد أن أسمع كلامك. قال قد رأيتك حين أقبلت ولم يذهب روعك من قلبي. قلت وما راعك مني ؟ قال فراغك في يوم عملك، وبطالتك في يوم شغلك، وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على الظنون. فقلت إن الله سبحانه كريم، وما ظن به عبد شيئاً إلا أعطاه. قال نعم إذا وافقته السعادة والعمل الصالح. قلت أههنا فتية يستراح إليهم ؟ قال نعم. قلت هل عندهم دواء يتعالجون به ؟ قال إذا كلوا داووا الكلال بالكلال، وحثوا الحث بالأنخال، فتسكن العروق وتهدأ الآلام.
مجنون
قال عبد الله بن حسان المزني: مررت بمجنون مقيد، والصبيان يؤذونه، فقال أُطرد عني هؤلاء الأنذال. أفدك أبياتاً، تسر بها، فطردتهم عنه فقال أنا جائع فأتيته بشيء فأكله وقلت له هات فقال:
إصبر إذا عضك الزمان ومن ... أصبر عند الزمان من رجله