قال سوار بن عبد الله القاضي: دخلت بعض حمامات البصرة، فقلت لصاحب الحمام فيه أحد ؟ قال لا، إلا شيخ موسوس. فدخلت فإذا شيخ فقلت يا شيخ ! ما حرفتك ! قال أنا أبيع الكعاب والدوامات من الصبيان فقلت في نفسي مع من وقعت. فقال لي الشيخ فما حرفتك ؟ قلت لا أُخبرك قال والله ما أنصفتني سألتني عن حرفتي فأخبرتك، وسألتك عن حرفتك فلم تخبرني. فقلت أنا أنظر فيما بين الناس، وأمنع الظالم من المظلوم. قال الشيخ: ويقبلون منك، قلت من لم يقبل حبسته وأدبته، قال ومنك ذلك قلت نعم إن معي أعواناً من السلطان. قال الشيخ: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به. قال سوار فتصاغرت إلي نفسي.
مجنون
قال محمد بن يعقوب الأزدي عن أبيه دخلت دير هرقل فوجدت فيه مجنوناً مكبلاً، فكلمته فوجدته أديباً. فقلت ما الذي غيرك إلى ما أرى ؟ فقال:
نظرت إليها فاستحلت بنظرة ... دمي ودمي غالٍ فارخصه الحب
وغاليت في حبي لها ورأت دمي ... رخيصاً فمن هذين داخلها العجب
قال بعضهم لقيت بعض المجانين، فقلت له يوم غيم قال:
أرى اليوم يوماً قد تكاثف غيمه ... وأقتامه فاليوم لا شكّ ماطر
وقد حجبت فيه السحائب شمسه ... كما حجبت ورد الخدود المحاجر
مجنون
قال الجاحظ: رأيت مجنوناً بالكوفة فقال لي من أنت ؟ قلت عمرو بن بحر الجاحظ. قال يزعم أهل البصرة أنك أعلمهم. قلت إن ذلك لقال. قال من أشعر الناس ؟ قلت امرئ القيس. قال حيث يقول ماذا ؟ قلت:
كأن قلوب الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العناب والخشف البالي
قال فأنا أشعر منه، قلت حيث تقول ماذا ؟ قال حيث أقول:
كأن وراء الستر فوق فراشها ... قناديل زيت من ورام قرام
فأينا أشعر ؟ قلت أنت. قال فأيهما أقوى الماء ؟ قلت الريح. قال لم تصب. قلت وكيف ؟ قال يقع الثوب في الماء فيبتل في طرفة عين، ويبسط في الريح فلا يجف إلا بعد ساعات، أصبت أم أخطأت ؟ فقلت أصبت.
مجنون أسود
قال ذو النون: ركبت البحر ومعنا مجنون أسود ذاهب العقل فلما توسطنا البحر قال الملاح: زنوا الكراء، فوزنا حتى إذا بلغوا إليه فقالوا له زن فأنشأ يقول:
ليس القلوب تفوز أنس أنيسها ... فتحيرت بين المحبة والهوى
قال الملاح: زن، قال بعثنا إلى الخازن ليزن لك، قال وأين الخازن ؟ قال في البحر صيرفي خازن. قال ذو النون فبينا نحن في ذلك إذ هاج موج عظيم فخرجت منه سمكة فاغرة فاها مملوء فوها دنانير، فجاءت حتى وقفت بقرب الأسود. فقال الأسود يا ملاح ! خذها إليك وإياك أن تسرق فأخذ منها ديناراً، فلما خرجنا سألت عنه فقيل هذا مجنون لم يفطر منذ خمسين سنة لا يطعم في الشهر إلا مرة.
شاب مجنون
قال المبرد: دخلت دار المرضى فإذا أنا بشاب مقيد إلى جدار. فقال لي من أنت وما حرفتك ؟ فسكت. فنظر إلى المحبرة في يدي، فقال أمن أهل الحديث وحملة الآثار ؟ أم أهل الأدب والنحو ؟ قلت من أهل الأدب والنحو. قال من أصحاب من ؟ قلت من أصحاب أبي عثمان المازني. قال فهل لك معرفة بصاحبه الذي قعد في مكانه ؟ قلت إني به لعارف. قال ما سمعت في نسبه ؟ قلت يقولون أنه من ثمالة الأزد. قال أنه مطعون فيه. قلت لا. قال قد قال عبد الصمد فيه:
سألنا عن ثمالة كل حيّ ... فقال القائلون ومن ثماله
فقلت محمد بن يزيد منهم ... فقالوا: زدتنا بهم جهاله
ولد مجنون
قال معقل بن علي: كان عندنا بالمدينة رجل من ولد كثير بن الصلت حسن الوجه، نظيف الثياب، كثير المال، ملازماً لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فغلبت عليه المرة، فأحرقته فذهب عقله، فكان بعد ذلك يجلس في المزابل، فمررت به ذات يوم. فقلت له يا ابن كثير ! عز علي ما أرى بك. فقال الحمد لله الذي لم يجعلني ساخطاً لقضائه وقدره، يا أخا الأنصار روى أهل العراق أن عطاءً الخراساني كان يغازيهم في سبيل الله، فيقوم الليل حتى إذا انفجر الصبح نادى بأعلى صوته يا عبد الرحمن بن يزيد ! ويا هشام بن الغار ! قوما فصليا، فإن مكابدة هذا الليل الطويل، خير من مقطعات النيران والسلاسل والأغلال، النجاة النجاة يا أخا الأنصار ! فلعل ما أنا فيه بدل من النار.
مجنون