قال سعيد بن عامر كان بالبصرة وال يقال له محمد بن سليمان وكان كلما صعد المنبر أمر بالعدل والاحسان. فاجتمع قوم من نساك البصرة فقالوا أما ترون ما نحن فيه من هذا الظالم الجائر وما يأمر به. فأجمعوا ان ليس له إلا أبا سعيد الضبعي. فلما كان يوم الجمعة احتوشوا أبا سعيد وهو لا يتكلم حتى يحرك فلما تكلم محمد بن سليمان حركوه. وقالوا يا أبا سعيد، محمد يتكلم على المنبر يأمر بالعدل والاحسان. فقال يا محمد بن سليمان إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا يفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. يا محمد بن سليمان ما بينك وبين ان نتمنى أنك لم تخلق إلا أن يدخل ملك الموت بيتك. قال فخنقت محمد بن سليمان العبرة ولم يقدر على الكلام. فقام أخوه جعفر بن سليمان إلى جانب المنبر فتكلم عنه. قال فأحبته النساك من حين خنقته العبرة. فقالوا مؤمن مذنب.
قال سعيد بن عامر: كان لجعفر بن سليمان جارية اسمها الخيزران وكان مفتوناً بها وشهر ذلك بالبصرة. فركب يوماً في جماعة من الموالي يريد الجمعة فمر بأبي سعيد الضبعي فلما حاذاه قيل لأبي سعيد هذا جعفر. فرفع رأسه وقال يا جعفر تحب خيزران قال نعم. فقال أبو سعيد:
نبئتها عشقت حشاً فقلت لها ... لا يعشق الحش إلا كل كناس
قال فضرب جعفر وجه دابته ومضى حياءً من الناس.
وله حكايات اكتفينا منها بهذا القدر.
جعيفران
قال محمد بن جعفر الدينوري لقيت جعيفران الموسوس وقد جاء إلى علي ابن إسماعيل الهاشمي المقلب بالظاهرية وكانت له هيئة فوقف بين يديه فقال أعطني درهماً فرماه الغلمان ونحوه. فقال:
قد زعم الناس ولم يكذبوا ... إنك من غير بني هاشم
فقال علي بن إسماعيل فضحني والله وهم بقتله. ثم قال يا جعيفران ! ما تريد ؟ قال درهماً صحيحاً، ورغيفاً حواري، وفالوذجاً، فجيء بها وقعد وأكله أجمع، وأخذ الدرهم وقال:
فكذب اللّه أحاديهم ... يا هاشمي الأصل من آدم
قال عبد الله بن عثمان أبطأ عند جعيفران يوماً. ثم عاد إلينا وهو عريان يشتد والصبيان يرمونه بالحجارة فسلم علي وقال يا عبد الله:
رأيت الناس يدعوني ... مجنوناً على حال
ولو كنت كقارون ... وفرعون باقبال
وما ذا عليّ حق ... ولكن هيبة المال
قلت أيحضرك شيء على غير هذه القافية في هذا المعنى حتى نعلم أنك شاعر فقال:
رأيت الناس يدعوني ... بمجنون على عمد
وما بي اليوم من حسن ... ولا لبس ولا عقد
ولو كنت كقارون ... ووالي رحبة الجند
رأوني راجح العقل ... جميلاً حسن القد
وما ذاك على حقٍ ... ولكن هيبة النقد
فقلت أعندك مزيد على هذا ؟ فإن جئت بالثالثة اقررت لك بأنك شاعر. فأطرق ثم قال قم بنا إلى المنزل فقمنا معه فقال:
رأيت الناس يرموني ... بوسواس لأيامي
وما كنت أخا موق ... قديماً قبل تهيامي
ولكني أرى ذاك ... لإدقاعي وإعدامي
ولو كنت أخا ملكٍ ... وإسراج وإلجام
إذا أكرمني الناس ... ولم أُرم بالمام
وكانوا كل أوقات ... يباهون باكرامي
قال فأدخلته منزلي وغذيته وقعدت أنا وقوم من أصحابنا ثم عاتبناه على ما صنع بنفسه ووبخناه بأنواع اللوم فأنشأ يقول:
رأيت الناس أحياناً ... ليروموني بوسواس
ومن يضبط يا هذا ... مقال الناس في الناس
فدع ما قاله الناس ... وعجّل صفوة الكاس
فإن الناس يفرون ... بأمثالي وأجناسي
ولو كنت أخا ملكٍ ... أتوني بين جلاسي
يقومون ويفدون ... على الرجلين والراس !
ثم قال يا فتى هذه أربعة وقام قومه فقال لي أحد أصحابي لو جئنا بقينة قلت ومن يجيء بقينة بين يدي مجنون دعونا اليوم نلهو فقد حل علينا فقال:
وندامي أكلوني ... إن تغيبت قليلا