وروي بإسناد آخر أنه قال للرشيد يا أمير المؤمنين فكيف لو أقامك الله بين يديه فسألك عن النقير والفتيل والقطمير، قال فخنقته العبرة فقال الحاجب حسبك يا بهلول قد أوجعت أمير المؤمنين، فقال الرشيد دعه، فقال بهلول إنما أفسده أنت وأضرابك، فقال الرشيد أريد أن أصلك بصلة فقال بهلول ردها على من أخذت منه، فقال الرشيد فحاجة، قال ان لا تراني ولا أراك، ثم قال يا أمير المؤمنين حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة ابن عبد الله الكلابي قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرمي جمرة العقبة على ناقة له صهباء لا ضرب ولا طرد، ثم ولى بقصبته وأنشأ يقول:
فعدّك قد ملأت الأرض طراً ... ودان لك العباد فكان ماذا
ألست تموت في قبر ويحوي ... تراثك بعد هذا ثم هذا
عبد الرحمن الأسلمي قال: قال أبي لبهلول أي شيء أولى بك ؟ قال العمل الصالح.
بعض الكوفيين قال: حج الرشيد فذكر بهلولاً حين دخل الكوفة فأمر بإحضاره وقال ألبسوه سواداً وضعوا على رأسه قلنسوة طويلة وأوقفوه في مكان كذا ففعلوا به ذلك وقالوا إذا جاء أمير المؤمنين فادع له، فلما حاذاه الرشيد رفع رأسه إليه وقال يا أمير المؤمنين اسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك من فضله، فضحك الرشيد وقال آمين، فلما جازه الرشيد دفعه صاحب الكوفة في قفاه وقال أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون، قال بهلول اسكت ويلك يا مجنون فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم، فبلغ ذلك الرشيد فضحك وقال والله ما كذب.
قال الحسن بن سهل بن منصور سمعت بهلولاً وقد رماه الصبيان بالحصى وقد أدمته حصاة فقال:
حسبي اللّه توكلت عليه ... ونواصي الخلق طراً بيديه
ليس للهارب في مهربه ... أبداً من روحة إلا إليه
رب رام لي بأحجار الأذى ... لم أجد بداً من العطف عليه
فقلت له تعطف عليهم وهم يرمونك، قال اسكت لعل الله سبحانه وتعالى يطلع على غمي ووجعي وشدة فرح هؤلاء فيهب بعضنا لبعض.
ولبهلول:
حقيق بالتواضع من يموت ... وحسب المرء من دنياه قوت
فما للمرء يصبح ذا اهتمام ... وشغل لا تقوم له النعوت
صنيع مليكنا حسن جميل ... وما أرزاقنا مما يفوت
فيا هذا سترحل عن قريب ... إلى قوم كلامهم السكوت
قال عبد الرحمن الكوفي لقيني بهلول المجنون فقال لي اسألك، قلت اسأل، قال أي شيء السخاء قلت البذل والعطاء، قال هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين ؟ قلت المسارعة إلى طاعة الله، قال أفيريدون منه الجزاء ؟ قلت نعم بالواحد عشرة، قال ليس هذا سخاء هذه متاجرة ومرابحة، قلت فما هو عندك ؟ قال لا يطلع على قلبك وأنت تريد منه شيئاً بشيء.
قال عمر بن جابر الكوفي مر بهلول بصبيان كبار فجعلوا يضربونه فدنوت منه فقلت لم لا تشكوهم لآبائهم ؟ فقال لي اسكت فلعلي إذا مت يذكرون هذا الفرح فيقولون رحم الله ذلك المجنون ! قال صباح الوزان الكوفي لقيت بهلولاً يوماً فقال لي أنت الذي يزعم أهل الكوفة أنك تشتم أبا بكر وعمر ؟ فقلت معاذ الله أن أكون من الجاهلين، قال إياك يا صباح فإنهما جبلا الإسلام وكهفاه ومصباحا الجنة وحبيبا محمد صلى الله عليه وسلم وضجيعاه وشيخا المهاجرين وسيداهم ثم قال: جعلنا الله من الذين على الأرائك يسمعون كلام الله إذا وفد القوم إلى سيدهم.
علي بن الحسين قال: لما مات أبو بهلول خلف ستمائة درهم، فأخذها القاضي وحجز عليها، فأتاه بهلول فقال أصلح الله القاضي وتزعم أني مصاب في عقلي فأنا جائع فادع لي بمائتي درهم حتى اقعد في أصحاب الحلقات أبيع وأشتري فإن رأيت مني رشداً ضممت إليها الباقي وان تلفت فالذي اتلفت أقل مما بقي، فدعا القاضي بالكيس ووزن له مائتي درهم، فأخذها بهلول ولزم الحيرة حتى أنفدها، ثم جاء إلى القاضي وهو في مجلس الحكم فقال يا بهلول ما صنعت ؟ فقال أعز الله القاضي أنفقتها فإن رأى القاضي ان يزن من ماله مائتي درهم ويردها إلى الكيس حتى يرجع الكيس إلى ما كان، قال القاضي فتجحد لي ما أخذت ؟ قال كلا ولكنني ما أقمت عندك شاهدين بأني موضع لها، قال صدقت، ودعا بمائتي درهم وردها إلى الكيس.