سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول سمعت أبا بكر ابن طاهر الأبهري يقول سمعت عمران بن علي الرقي يقول: كان إبان ابن سيار الرقي رئيس القراء والفقراء بالرقة وكان مع ذلك أهل علم فأكل الذئب بنياً له وكان واحده، وكان مشغوفاً به، ولم يتمالك، وهام على وجهه، فغاب ملياً ثم عاد وقد برم بالناس. فجنن نفسه، وجعل لا تطمئن به دار ولا يستقر به قرار، فخبرت بشأنه فأتيته بأصحاب لي، فألفيته في الجامع يكلم بعض الأساطين، فقلت يا إبان أجننت ؟ قال نعم عندك وعند اضرابك. فقلت كيف ؟ فأنشأ يقول:
جننت عن عقلي لديكم وما ... قلبي واللّه بمجنون
أجن مني وإله الورى ... من اشترى دنياه بالدين
وكنت قد ابتعت ضيعة من بعض السلاطين فعلمت انه يعنيني فتسورت ووالله ما عاودته بعد.
وقال الفرزدق أمر عمرو بن هند ملك العرب لطرفة وجرير المتلمس بكتابين إلى عامله بالبحرين بإهلاكهما وهما لا يشعران فمرا برجل على قارعة الطريق يحدث ويتفلى ويأكل، فقال المتلمس بالله ما رأيت أحمد من هذا، فقال الرجل وما رأيت من حمقي، أخرج خبيثاً وأدخل طيباً، وأقتل عدواً، أحمق والله مني من حمل حتفه بيده. ففك المتلمس كتابه فإذا فيه أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً فرمى بالكتاب وأنشأ يقول:
قذفت بهذا القط من جنب كافر ... كذلك أرمي كل قط مطلل
وقال لطرفة: فك كتابك، فقال: هو لا يجتريء على إهلاكي، فذهب بالكتاب فإذا فيه إذا أتاك طرفة فاقطع أكحله ولا تشده حتى يموت ففعل وأنشأ طرفة يقول:
كل خليل كنت خاللته ... لا ترك اللّه له واضحه
كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة
فصل
من تحامق لينال غنى
سمعت أبا نصر محمد بن مزاحم البدخشي، قدم علينا حاجاً، قال: سمعت سعيد بن علي بن عطاف الطاحي بالبصرة يقول: كان عندنا رجل عاقل أديب فهم شاعر يقال له عامر وكان مع أدبه محروماً مجازفاً، فقال لي رجل من أصحابي إن صديقك عامراً قد جن، فجعلت أطلبه حتى ظفرت به في بعض القرى والصبيان حوله يضحكون، فقلت له: يا عامر مذ كم صرت بهذه الحال ؟ فأنشأ يقول:
جننت نفسي لكي أنال غنى ... فالعقل في ذا الزمان حرمان
يا عاذلي لا تلم أخا حمق ... تضحك منه فالحمق ألوان
وعلى هذا علي بن صلوة القصرى كان ممن يجيد الشعر وكان محروماً لا يؤبه له، ومن جيد شعره:
لسان الهوى في مقلتي لك ناطق ... يخبر عني أنني لك وامق
ولي شاهد من ضر جسمي معدل ... وقلب عليل في ودادك خافق
وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى ... ولكن قضاء اللّه في الخلق سابق
ثم تحامق وأخذ في الهزل فحسنت حاله وراج أمره حتى أن الملوك والأشراف أولعوا به، ومن قوله:
غياث بن عبد اللّه يطعم ضيفه ... رؤوس الجدايا طبخها بأرياجها
وهذا مجال في الطعام لأنما ... رؤوس الجدايا حقها سكباجها
وما أشبه ذلك: سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله بن الجنيد يقول سمعت محمد بن زكريا الغلابي يقول: مر بعض الأدباء بمجنون يتكلم، فتأمل كلامه، فإذا هو رصين يدور على الأصول، فقال له ما حملك على التحامق ؟ فقال:
لما رأيت الحظ حظ الجاهل ... ولم أر المغبون مثل العاقل
دخلت عيشاً من كرام نائل ... فصرت من عقلي على مراحل
أنشدنا أبو نصر محمد بن أحمد التميمي بسرخس:
إن كنت تهوى أن تنال المالا ... فالبس من الحمق غداً سربالاً
فصل
من تحامق ليرخي وقتاً ويطيب عيشاً
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن صالح الأندلسي المعافري قال: أخبرنا بكر بن حماد السهربي قال حدثنا صالح بن علي النصيبيني قال: قلت لزيد ابن سعيد العبدي: مالي أراك نكرت حالك وزيك ؟ قال: جددت فشقيت ثم تحامقت فارحت واسترحت.
أخبرنا أبو الحسن المظفر بن محمد بن غالب الهمداني برباط قراوة قال أنشدنا محمد بن إبراهيم بن عرفة الأسدي نفطويه قال أنشدنا العباس ابن محمد الرودي الشافعي: