يا واحد العرب الذي ... ما في الأنام له نظيرْ
لو كان مثلك آخرٌ ... ماكان في الدنيا فقير
فقال يا غلام أعطه عشرين ألف دينار فأخذها وانصرف.
وحيث ذكرنا نبذة من أخبار الكرماء نبذة من أخبار البخلاء فمن ذلك، أن رجلاً من البخلاء اشترى داراً وانتقل إليها فوقف ببابه سائل فقال له فتح الله عليك ثم وقف ثان فقال له مثل ذلك ثم وقف ثالث فقال له مثل ذلك ثم التفت إلى ابنته فقال لها ما أكثر السؤال في هذا المكان فقالت يا أبت ما دمت متمسكاً لهم بهذه الكلمة فما تبالي كثروا أم قلوا.
وألأم الئام وأبخلهم حميد الأرقط الذي يقال له هجاء الأضياف وهو القائل في ضيف له يصف أكله من قصيدة:
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت ... وبين أخرى تليها قيد أظفور
وقال فيه أيضا:
تجُهِّز كفّاه ويحسك حلقه ... إلى الزور ما ضمّت عليه الأناملُ
وأكل أعرابي مع أبي الأسود رطبا فأكثر ومد أبو الأسود يده إلى رطبة ليأخذها فسبقه الأعرابي إليها فسقطت منه في التراب فأخذها أبو الأسود وقال لا أدعها للشيطان يأكلها فقال الأعرابي والله ولا لجبريل وميكائيل لو نزلا من السماء ما تركتها.
وقال أعرابي لنزيل نزل به نزلت بواد غير ممطور ورجل بك غير مسرور فأقم بعدم أو أرحل بندم.
وللحمدوني:
رأيت أبا زرارة قال يوماً ... لحاجبه وفي يده الحسامُ
لئن وضع الخوانُ ولاح شخصٌ ... لاختطفنّ رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخٌ ... بغيضٌ ليس يردعه الكلام
فقام وقال من حنقٍ عليه ... ببيتٍ لم يرد فيه القيام
أبي وابنا أبي والكلب عندي ... بمنزلةٍ إذا حضر الطعام
وقال له ابنْ لي يا ابن كلبٍ ... على خبزي أصادر أو أضام
إذا حضر الطعام فلا حقوقٌ ... عليَّ لوالديَّ ولا ذمام
فما في الأرض أقبح من خوانٍ ... عليه الخبز يحضره الزّحام
ويعجبني قول بعضهم:
زففت إلى نبهان من صفو فكرتي ... عروساً غدا بطن الكتاب لها صدرا
فقبَّلها عشراً وهام بحبّها ... فلما ذكرت المهر طلقها عشرا
ومن أخبار البخلاء ما حكاه بعضهم قال كنت في سفر فضللت في الطريق فرأيت بيتاً في الفلاة فأتيته فإذا به أعرابية فلما رأتني قالت من تكون قلت ضيف قالت أهلا ومرحباً بالضيف أنزل على الرحب والسعة قال فنزلت فقدمت لي طعاماً فأكلت وماء فشربت فبينما أنا على ذلك إذا أقبل صاحب البيت فقال من هذا فقالت ضيف فقال لا أهلا ولا مرحباً ما لنا وللضيف فلما سمعت كلامه ركبت من ساعتي وسرت فلما كان من الغد رأيت بيتا في الفلاة فقصدته فإذا فيه أعرابية فلما رأتني قالت من تكون قلت ضيف قالت لا أهلا ولا مرحباً بالضيف ما لنا وللضيف فبينما هي تكلمني إذ أقبل صاحب البيت فلما رآني قال من هذا قالت ضيف قال مرحباً وأهلاً بالضيف ثم أتى بطعام حسن فأكلت وماء فشربت فتذكرت ما مر بي بالأمس فتبسمت فقال مم تبسمك فقصصت عليه ما اتفق لي مع تلك الأعرابية وبعلها وما سمعت منه ومن زوجته فقال لا تعجب إن تلك الأعرابية التي رأيتها هي أختي وإن بعلها أخو امرأتي هذه فغلب على كل طبع أهله.
وقال عمر بن ميمون مررت ببعض طرق الكوفة فإذا أنا برجل يخاصم جاراً له فقلت ما بالكما فقال أحدهما أن صديقاً لي زارني فاشتهى رأساً فاشتريته وتغدينا وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها فجاء هذا فأخذها ووضعها على باب داره يوهم الناس أنه هو الذي اشترى الرأس.
وقال رجل من البخلاء لأولاده اشتروا لي لحماً فاشتروه فأمر بطبخه فلما استوى أكله جميعه حتى لم يبق في يده إلا عظمة وعيون أولاده ترمقه فقال ما أعطي أحد منكم هذه العظمة حتى يحسن وصف أكلها فقال ولده الأكبر أمشمشها يا أبت وأمصها حتى لا أدع للذر فيها مقيلا قال لست بصاحبها فقال الأوسط ألوكها يا أبت وألحسها حتى لا يدري أحد ألعام هي أم لعامين قال لست بصاحبها فقال الأصغر يا أبت أمصها ثم أدقها وأسفها سفا قال إنك صاحبها وهي لك زادك الله معرفة وحزما.