ثم سقط على الأرض مغشياً عليه فدنوت منه فإذا هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين فرفعت رأسه في حجري وبكيت فقطرت دمعة من دموعي على خده ففتح عينيه وقال من هذا الذي يهجم علينا قلت عبدك الأصمعي سيدي ما هذا البكاء والجزع وأنت من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أليس الله تعالى يقول: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً قال: هيهات هيهات يا أصمعي إن الله خلق الجنة لمن أطاعه ولو كان عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان حراً قرشياً أليس الله تعالى يقول: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنَّم خالدون انتهى.
وكان أبو العباس السفاح يعجبه السمر ومنازعة الرجال بعضهم بعضاً فحضر عنده ذات ليلة إبراهيم بن مخرمة الكندي وخالد بن صفوان بن الأهيم فخاضوا في الحديث تذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم بن مخرمة يا أمير المؤمنين أن أهل اليمن هم العرب الذي دانت لهم الدنيا ولا يزالوا ملوكاً ورثوا الملك كابرا عن كابر وآخراً من أول منهم النعمان والمنذر ومنهم عياض صاحب البحرين ومنهم من كان يأخذ كل سفينة غصباً وليس من شيء له خطر إلا إليهم ينسب إن سئلوا أعطوا وإن نزل بهم ضيف أقروه فهم العرب العاربة وغيرهم المتعربة فقال أبو العباس ما أظن التميمي رضي بقولك ثم قال ما تقول أنت يا خالد قال إن أذن لي أمير المؤمنين في الكلام تكلمت قال تكلم ولا تهب أحدا قال أخطأ المقتحم بغير علم ونطق بغير صواب وكيف يكون ذلك لقوم ليس لهم ألسن فصيحة ولا لغة صحيحة نزل بها كتاب ولا جاءت بها سنة يفتخرون علينا بالنعمان والمنذر ونفتخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام فللَّه المنة به علينا وعليهم فمنا النبي المصطفى والخليفة المرتضى ولنا البيت المعمورة زمزم والحطيم والمقام والحجابة والبطحاء وما لا يحصى من المآثر ومنا الصديق والفاروق وذو النورين والوصي والولي وأسد الله وسيد الشهداء وبنا عرفوا الدين وأتاهم اليقين فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اضطلمناه ثم أقبل خالد على إبراهيم فقال ألك علم بلغة قومك قال نعم قال فما اسم العين عندكم قال الجمجمة قال فما اسم السن قال الميدن قال فما اسم الأذن قال الصنارة قال فما اسم الأصابع قال صنّاراتهم قال فما اسم الذئب قال الكنع قال أفعالهم أنت بكتاب الله عز وجل قال نعم فإن الله تعالى يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربيا " وقال: " بلسان عربي مبين " وقال تعالى: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " فنحن العرب والقرآن بلساننا أنزل ألم تر أنّ الله تعالى قال والعين بالعين ولم يقل والجمجمة بالجمجمة وقال تعالى والسن بالسن ولم يقل والميدن بالميدن وقال تعالى والأذن بالأذن ولم يقل الصنارة بالصنارة وقال تعالى يجعلون أصابعهم في آذانهم ولم يقل صنَّاراتهم في صنَّاراتهم وقال تعالى فأكله الذئب ولم يقل فأكله الكنع ثم قال لإبراهيم: أني أسألك عن أرعب أن أقررت بهن مهرت وإن جحدتهن كفرت فقال وما هن قال الرسول منا أو منكم قال منكم قال والقرآن أنزل علينا أو عليكم قال عليكم قال المنبر فينا أو فيكم قال فيكم قال فالبيت لنا أو لكم قال لكم فأذهب فما كان بعد هؤلاء فهو لكم بل ما أنت إلا سائس قرد أو دابغ جلد أو ناسج برد قال فضحك أبو العباس وأقر لخالد وحباهما جميعاً.