فأحسنُ ثوبيك الذي هو لابسٌ ... وأفره مهريك الذي هو راكب
وبادرْ بمعروفٍ إذا كنت قادراً ... زوال اقتدارٍ فهو عنك يعاقب
قال فوثب إليه رجل من القول فقال أصلح الله الأمير ألا أنشدك أحسن من هذا قال لمن قال لابن عمك هرمة قال هات فأنشد يقول:
والنفس تاراتٌ تحلّ بها العرى ... وتسخو عن المال النفوس الشحائحُ
إذا المرء لم ينفعك حيًّا فنفعه ... أقلّ إذا ضمّت عليه الصفائح
لأيّة حالٍ يمنع المرء ماله ... غداً فغداً والموت غادٍ ورائح
فقال معن أحسنت والله وإن كان الشعر لغيرك يا غلام اعطهم أربعة آلاف يستعينون بها على أمورهم إلى أن يتهيأ لنا فيهم ما نريد الغلام اجعلها دنانير أم دراهم فقال معن والله لا تكون همتك أرفع من همتي.
مدح مطيع بن أياس معن بن زائدة فقال له معن إن شئت مدحتك وإن شئت أثنيتك فاستحي من اختيار الثواب وكره اختيار المدح فقال:
ثناءٌ من أميرٍ خيرُ كسبٍ ... لصاحب مغنمٍ وأخي ثراءٍ
ولكنَّ الزمان برى عظامي ... وما مثل الدراهم من داوء
فأمر له بألف دينار.
ولما قدم معن بن زائدة أتاه الناس فأتاه ابن جحفة فإذا المجلس غاص بأهله فدق بعصاه الباب ثم قال:
وما أحجم الأعداء عنك تقيَّةً ... عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا
له راحتان الجود والحتف فيهما ... أبا الله إلا أن يضرَّ وينفعا
فقال معن تحكم يا ابا السمط فقال عشرة الاف فقال معن ونزيد له ايضاً.
أتى أعرابي إلى معن بن زائدة ومعه نطع فيه صبي حين ولد فاستأذن عليه فلما دخل جعل الصبي بين يديه وقال:
سَمَّيَت معناً بمعنٍ ثم قلت له ... هذا سميُّ فتىً في الناس محمودِ
أنت الجواد ومنك الجود نعرفه ... ومثل جودك فينا غير معهودِ
أمست يمينك من جودٍ مصوّرةً ... لا بل يمينك منها صورة الجود
قال كم الأبيات: قال ثلاثة قال أعطوه ثلثمائة دينار ولو كنت زدتنا لزدناك قال حسبك ما سمعت وحسبي ما أخذت.
أخبرنا الشيخ الجليل العدل الأصيل شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن غانم بن وافد المهدي قال أخبرنا المشايخ الثلاثة الإمام فخر الدين أبو الحسن علي ابن أحمد بن عبد الواحد البخاري وأبو العباس أحمد بن شيبان بن ثعلب الشيباني وأم حميد زينب بنت مكي بن علي بن كامل الحراني قال أخبرنا أبو حفص عمر بن عمر ابن محمد بن أبي نصر الحميدي قال أنشدني أبو غالب محمد بن سهل النحوي الواسطي المعروف بابن شبران بواسط قال أنشدني الأمير أبو الهيجاء محمد بن عمران بن زريق الكاتب البغدادي لنفسه هذه القصيدة إلى آخرها وقد أنشدنيها جماعة بالمغرب وقال لي أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد وغيره يقال من تختم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وحفظ قصيدة ابن زريق فقد استكمل الظرف وهي:
لا تعذليه فإنّ العذل يوجعُهُ ... قد قلت حقّاً ولكنْ ليس يسمعُهُ
جاوزتِ في لومه حدَّاً أضرَّ به ... من حيثُ قدّرتِ أن اللوم ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً ... من عنفه فهو مُضنى القلب موجعُهُ
قد كان مضطلعاً بالبين يحمله ... فضُلِّعت بخطوب البيت أضلعُه
يكفيه من لوعة التفنيد أنَّ له ... من النَّوى كلَّ يومٍ ما يروِّعُهُ
ما آبَ من سفرٍ إلاَّ وأزعجَهُ ... رأيٌ إلى سفرٍ بالرغم يتبعُهُ
كأنّما هو في حِلٍّ ومُرتحَلٍ ... موكّلٌ بفضاء الأرض يذرعه
إذا الزماع أراه بالرحيل غنىً ... ولو إلى السدّ أضحى وهو يزمعه
تأبى المطامع إلاّ أنْ تجشّمه ... للرزق كدًّا وكم ممّن يودعه
وما مجاهدةُ الإنسان واصلةٌ ... رزقاً ولا دِعةُ الإنسان تقطعه
والله قسّم بين الناس رزقَهُمُ ... لم يخلقِ الله مخلوقاً يضيّعه
مسترزقاً وسوى الغايات تقنعه
لكنّهم ملؤوا حرصاً فلست ترى ... بغيٌ إلا إنّ بغيَ المرءِ يصرعه