وقال كان بمدينة السلام مغن يعرف بالغيور وكان عنده من الجواري عدد كثير ذوات حسن وكان خبره فاشياً يقصده المتصون وغيره فبلغ رجلاً من الكتاب المشهورين خبره فتشوقت نفسه إلى قصده ثم تجنبته لما شهر به فحمل نفسه على أن جعل بينه وبين الرجل حالاً بأن دعاه وبرَّه ووصله وكان قصد الناس منزله آثر عندهم من دعاء من يدعونه من جواريه لما يجتمع لهم فيه قال الكاتب يسألني المصير إليه وأقشعر لشناعة لقبه إلى أن لقيني بالقرب من منزله فحلف على أن لا أفارقه فكان ذلك أن صادف مني موافقة فمضيت معه فرأيت أحسن موافقة وآلة فلما استقر بنا الجلوس قال لغلماني إذا كان في غد بكروا فجيئوا بالدواب فاستوحشت وقلت بلى يقيم بعضهم عندي ويعود الباقون ليلا للأنصراف إلى منزلي فأبى وحلف فاتبعت ما أراد فأحضر أحسن طعام وألطفه وأكلنا وأتى بأنواع الأشربة والفواكه والرياحين وأخذنا في أمرنا وخرجت وجوه كالشموس وكنت عند دخولي إلى الدار قد رأيت على بعض الأبواب طبلاً معلقاً فظننته لبعض الجواري فلم أسأل عنه فلما صرنا على حالنا وأخذ النبيذ منا أحضر عموداً فجعله بين يديه فأوحشني جداً وقلت رجل غيور كما لقب وجوار حسان ونبيذ شديد ولست آمن أن أعبث بهن فيضربني بالعمود قال أخبرك يا أخي أني رجل غيور كما قد بلغك ويحضر منزل قوم معهم سوء أدب فما هو إلا أن تغنى الجارية حتى أرى الواحد منهم قد لاحظها وضحك في وجهها وضحكت في وجهه فأقول أقوم بهذا العمود فإنما هي ضربة له وضربة لها فأقتلهما وأستريح إلا أني على ما ترى رجل معي تأن شديد فأقول شرب الرجل فسر وضحك ولعله بعد يعرفها وتعرفه فضحكت إليه وضحك إليها قال فلما ذكر هذا الحديث طابت نفسي وأصغيت إلى حديثه فقلت ثم ماذا قال ثم إن الأمر يزيد حتى أراه قد دنا فسارَّها وسارته فتقوم عليَّ القيامة وأقول ضحك إليها وضحكت إليه للمعرفة فما وضع السر ثم أهم بالعمود والتأني الذي فيَّ يقول لعله طالبها بصوت تغنيه فأمسك فلا يطول الأمر بينهما حتى أراه قد أدخل يده في ثوبها فقرصها وعبث بثديها فتداخلني الغيرة وأقول ما بعد هذا شيء وأهم بضربهما بالعمود لكن على ما ترى عندي تأن فأقول بعد لم يبلغ الأمر بهما إلى القتل وهي أوائل وسيكون لها أواخر فإن أتى بما يوجب القتل قتلتهما فاسترحت فأمسك فيطول الأمر حتى أرى الواحدة قد قامت وقام الرجل في أثرها فيدخلان ذلك البيت وبابه وثيق جداً فأسعى خلفهما بهذا العمود لأقتلهما البتة فيسبقاني فيغلقان الباب وأبقى أنا خارجه وأنا غيور كما قد علمت فأقول متى علمت حركتهما مت أو قتلت نفسي فلا يكون والله يا أخي لي إعتصام إلا بذلك الطبل المعلق فأتناوله وأضعه في عنقي فلا أزال أضرب أبداً حتى يخرجا قال فما قمت والله وأنا أرى أوفى منه قولا وفعلا.
قال صلاح الدين الصفدي في الجزء الخامس والثلاثين من التذكرة ومن خطه نقلت حجَّت جميلة الموصلية بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أخت أبي ثعلب سنة ست وثمانين وثلثمائة فسقت أهل الموسم كلهم السويق بالطبرزد والثلج واستصحبت البقول المزروعة في المواكب وعلى الجمال وأعدت خمسمائة راحلة للمنقطعين ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار لم تستصبح عندها وفيها إلا بشموع العنبر واعتقت ثلثمائة عبد ومائتي جارية وأغنت الفقراء والمجاورين. وحج عبد الله بن جعفر ومعه ثلاثون راحلة وهو يمشي على رجليه بثلاثين ألفا وقال أعتقهم لله تعالى لعل الله أن يعتقني من النار.
وكان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقيم عشية عرفة مائة بدنة ومائة رقبة فيعتق الرقاب عشية عرفة وينحر البدن يوم النحر وكان يطوف بالبيت ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له نعم الرب ونعم الإله أحبه وأخشاه.