ومن غرائب المنقول أن يحيى بن اسحق كان طبيباً حاذقاً صانعاً بيده وكان في صدر دولة عبد الرحمن الناصر لدين الله واستوزروه نقل عنه من حذقه أنه أتى إليه بدوي على حمار وهو يصيح على باب داره أدركوني وكلموا الوزير بخبري فلما دخل عليه قال ما بالك قال ورم باحليلي منعني النوم منذ أيام وأنا في الموت فقال له اكشف عنه فأذا هو وارم فقال لرجل جاء معه أحضر لي حجراً أملس فطلبه فوجده فقال له ضع عليه الأحليل فلما تمكن أحليل الرجل من الحجر جمع الوزير يده وضرب الأحليل ضربة غشي على الرجل منها ثم اندفع الصديد يجري فلما انقطع جريان الصديد فتح الرجل عينيه ثم بال في أثر ذلك فقال له أذهب فقد برأت علتك وأنت رجل عابث واقعت بهيمة في دبرها فصادفت شعيرة من علفها ولجت في عين الاحليل فورم لها وقد خرجت في الصديد فقال له الرجل قد فعلت ذلك وهذا يدل على الحذق المفرط. ومثله أن ابن جميع الاسرائيلي كان من الأطباء المشهورين والعلماء المذكورين خدم سلطان مصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وحظي في أيامه وكان رفيع المنزلة نافذ الأمر. ومما نقل عنه في حذقه أنه كان جالسا في دكان وقد مرت عليه جنازة فملا نظر إليها صاح يا أهل الميت إن صاحبك لم يمت ولا يحل أن تدفنوه حيا فقال بعضهم لبعض هذا الذي يقوله لا يضرنا ويتعين أن فمتحنه فإن كان حيا فهو المراد وإن لم يكن حيا فما يتغير علينا شيء فاستدعوه إليهم وقالوا بين لنا ما قلت فأمرهم بالعود إلى البيت وأن ينزعوا أكفانه فلما فرغوا من ذلك أدخله الحمام وسكب عليه الماء الحار وأحمى بدنه نطله فظهر فيه أدنى حسن وتحرك حركة خفيفة فقال أبشروا بعافيته ثم تمم علاجه إلى أن أفاق وصحا فكان ذلك مبدأ اشتهاره بشدة الحذق والعلم ثم إنه سئل بعد ذلك ومن أين علمت أن في ذلك الميت بقية روح وهو في الأكفان محمود فقال نظرت إلى قديمه فوجدتهما قائمتين وأقدام الموتى منبسة فحدست أنه حي وكان حدسي صائبا.
نادرة لطيفة قيل إن المنصور ابن أبي عامر الأندلسي كان إذا قصد غزاة عقد لواءه بجامع قرطبة ولم يسر إلى الغزاة إلا من الجامع فاتفق أنه في بعض حركاته للغزاة توجه إلى الجامع لعقد اللواء فاجتمع عنده القضاة والعلماء وارباب الدولة فرفع حامل اللواء اللواء فصادف ثريا من قناديل الجامع فانكسرت على اللواء وتبدد عليه الزيت فتطير الحاضرون من ذلك وتغير وجه المنصور فقال رجل أبشر يا أمير المؤمنين بغزاة هينة وغنيمة سارة فقد بلغت أعلامك الثريا وسقاها الله من شجرة مباركة فأستحسن المنصور ذلك واستبشر به وكانت العزوة من أبرك الغزوات. ومثل هذا لما خرج المنصور العباسي إلى قتال أبي يزيد الخارجي في جماعة من الأولياء وواجه الحصن سقط الرمح من يده فأخذه بعض الأولياء فمسحه وقال:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
فضحك المنصور وقال لم ما قلت فألقى موسى عصاه فقال يا أمير المؤمنين العبد تكلم بما عنده من إشارات المتأدبين وتكلم أمير المؤمنين بما أنزل على النبي من كلام رب العالمين فكان الأمر على ما ذكره وأخذ الحصن وحصل الظفر بأبي يزيد.
حكي أن الشيخ شهاب الدين ابن محمود قال عدت قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان في دمشق بالمدرسة النجيبية سنة إحدى وثمانين وستمائة فأنشدني لبعض أهل الأدب في نقيب الأشراف بالمدائن رثاء خلب قلبي وهو يقول:
قد قلت للرجل المولى غسله ... هلا أطاع وكنت من نصائحه
جنبه ماءك ثم غسله بما ... أذرت عيون المجد عند بكائه
وأزل أفاويه الحنوط ونحها ... عنه وحنطه بطيب ثنائه
ومر الملائكة الكرام بنقله ... شرفاً ألست تراهمُ بإزائه
لا توهِ أعناقَ الرجال بحمله ... يكفي الذي حملوه من نعمائه
قال الشيخ شهاب الدين فوقع في نفسي أنه أحق الناس بهذا الرثاء وأنه نعى نفسه فمات في ذلك الأسبوع برد الله مضجعه.
نكتة لطيفة قيل إنه لما رجع الشيخ شهاب الدين السهروردي رحمه الله من الشام إلى بغداد وجلس على عادته أخذ يقلل أحوال الناس ويهضم جانب الرجال ويقول إنه ما بقي من يجاري وقد خلت الدنيا وأنشد:
ما في الصحاب أخو وجدٍ نطارحه ... حديث نجدٍ ولا خلٌّ نجاريه