فلما كان ضحوة يوم الأحد السادس والعشرين لصفر المذكور نزلنا بأمتان المذكور، وفي هذا اليوم المذكور كان فراغنا من حفظ كتاب الله عز وجل له الحمد وله الشكر على ما يسر لنا من ذلك. وهذا الماء بأمتان المذكور هو في بئر معينة قد خصها الله بالبركة. وهو أطيب مياه الطريق وأعذبها، فيلقى فيها من دلاء الوارد مالا يحصى كثرة فتروي القوافل النازلة عليها على كثرتها وتروي من الإبل البعيدة الإظماء مالو وردت نهراً من الأنهار لأنضبته وانزفته.
ورمنا في هذه الطريق إحصاء القوافل الواردة والصادرة فما تمكن لنا، ولا سيما القوافل العيذابية المتحملة لسلع الهند الواصلة اليمن، ثم من اليمن عيذاب. وأكثر ما شاهدنا من ذلك أحمال الفلفل، فلقد خيل إلينا لكثرته أنه يوازي التراب فيمة. ومن عجيب ما شاهدناه بهذه الصحراء أنك تلتقي بقاعة الطريق أحمال افلفل والقرفة وسائرها من السلع مطروحة لا حارس لها تترك بهذه السبيل إما لإعياء الإبل الحاملة لها أو غير ذلك من الأعذار، وتبقى بموضعها أن ينقلها صاحبها مصونة من الآفات على كثرة المارة عليها من أطوار الناس.
ثم كان رفعنا من امتان المذكور صبيحة يوم الاثنين بعد الأحد المذكور. ونزلنا على ماء بموضع يعرف بمجاج بمقربة من الطريق ظهر يوم الاثنين المذكور. ومنه تزودنا الماء لأربعة أيام ماء بموضع يعرف بالعشراء على مسافة يوم من عيذاب. ومن هذه المرحلة المجاجية يسلك الوضح، وهي رملة ميثاء تتصل بساحل بحر جدة يمشى فيها عيذاب إن شاء الله، وهي أفيح من الأرض مد البصر يميناً وشمالاً.
وفي ظهر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من الشهر المذكور كان رفعنا من مجاج المذكور سالكين على الوضح.
شهر ربيع الأول استهل هلاله ليلة الجمعة الرابع والعشرين من شهر يونيه ونحنن بآخر الوضح على نحو ثلاث مراحل من عيذاب، وفي وقت الغداة من يوم الجمعة المذكور كان نزولنا على الماء بموضع يعرف بالعشراء على مرحلتين من عيذاب، وبهذا الموضع كثير من شجر العشر، وهو شبيه بشجر الأترج لكن لاشوك له. وماء هذا الموضع ليس بخالص العذوبة، وهو في بئر غير مطوية. وألفينا الرمل قد انهال عليها وغطى ماءها، فرام الجمالون حفرها واستخرج مائها فلم يقدروا على ذلك وبقيت القافلة لاماء عندها.
فأسرينا تلك الليلة، وهي ليلة السبت الثاني من الشهر المذكور، فنزلنا ضحوة على ماء الخبيب، وهو بموضع بمرأى العين من عيذاب، يستقي منه القوافل وأهل البلد يعم الجميع، وهي بئر كبيرة كأنها الجب الكبير.
أحفل مراسي الدنيا
فلما كان عشي يوم السبت دخلنا عيذاب، وهي مدينة على ساحل بحر جدة غير مسورة، اكثر بيوتها الأخصاص، وفيها الآن بناء مستحدث بالجص. وهي من أحفل مراسي الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائداً مراكب الحجاج الصادرة والواردة. وهي في صحراء لانبات فيها ولا يؤكل فيها شيء إلا مجلوب، ولكن أهلها بسبب الحجاج تحت مرافق كثير ولا سيما مع الحاج، لأن لهم على كل حمل طعاماً يحملونه ضريبة معلومة خفيفة المؤونة بالإضافة الوظائف المكوسية التي كانت قبل اليوم التي ذكرنا رفع صلاح الدين لها، ولهم أيضاً من المرافق من الحجاج اكراء الجلاب منهم وهي المراكب.
فيجتمع لهم من ذلك مال كثير في حملهم جدة وردهم وقت انفضا ضهم من أداء الفريضة. وما من أهلها ذوي اليسار إلا من له الجلية والجلبتان، فهي تعود عليهم برزق واسع. فسبحان قاسم الأرزاق على اختلاف أسبابها، لا اله سواه.
وكان نزولنا فيها بدار تنسب لمونح أحد قوادها الحبشيين الذين تأثلوا بها الديار والرباع والجلاب، وفي بحر عيذاب مغاص على اللؤلؤ في جزائر على مقربة منها، وأوان الغوص عليه في هذا التاريخ المقيدة فيه هذه الأحرف، وهو شهر يونيه العجمي والشهر الذي يتلوه، ويستخرج منه جوهر نفيس، له قيمة سنية، يذهب الغائصون عليه تلك الجزائر في الزوارق ويقيمون فيها الأيام فيعودون بما قسم الله لكل واحد منهم بحسب حظه من الرزق.