فرأيك فيك موفّقاً، إن شاء الله عزَّ وجل. وبه الثِّقة.
الرسالة الثانية عشرة
كتاب الحجاب
بسم الله الرحمن الرحيم
أطال الله بقاءك، وجعلني من كل سوء فداءك، وأسعدك بطاعته وتولاّك بكرامته، ووالى إليك مزيده.
إنه يقال - أكرمك الله - " إن السَّعيد من وُعظ بغيره، وأن الحكيم من أحكمتْه تجاربه " . وقد قيل: " كفاك أدباً لنفسك ما كرهت من غيرك " وقيل: " كفاك من سوءٍ سماعه " ، وقيل: " إنَّ يقظة الفهم للواعظ ممَّا يدعو النَّفس إلى الحذر من الخطاء، والعقل إلى تصفيته من القذى " .
وكانت الملوك إذا أتت ما يجلُّ عن المعاتبة عليه ضُربت لها الأمثال، وعُرِّض لها بالحديث. وقال الشاعر:
العبد يُقرع بالعصا ... والحُرُّ تكفيه الملامةْ
وقال آخر: ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها وقال عبد المسيح المتلمِّسُ:
لذي الحلم قبل اليوم ما تُقرع العصا ... وما عُلِّم الإنسان إلاَّ ليعلما
وقال بعضهم: " في خفيِّ التعريض ما أغنى عن شنيع التَّصريح " .
وقد جمعت في كتابي هذا ما جاء في الحجاب من خبرٍ وشعرٍ، ومعاتبة وعُذر، وتصريح وتعريض، وفيه ما كفى. وبالله التوفيق.
وقد قلت:
كفى أدباً لنفسك ما تراه ... لغيرك شائناً بين الأنام
ما جاء في الحجاب والنَّهي عنه
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاثٌ من كُنَّ فيه من الولاء اضطلع بأمانته وأمره: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون غيره، وأقام كتاب الله في القريب والبعيد " .
وروي عنه عليه السلام أنّه وجّه عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلى بعض الوجوه، فقال له فيما أوصاه به: " إنِّي قد بعثتك وأنا بك ضنين فابرزْ للناس، وقدِّم الوضيع على الشَّريف، والضَّعيف على القويّ، والنّساء قبل الرجال، ولا تُدخلنَّ أحداً يغلبك على أمرك، وشاور القرآن فإنّه إمامك " .
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استعمل عاملاً شرط عليه أربعا: لا يركب برذوناً، ولا يتّخذ حاجباً، ولا يلبس كَتَّاناً، ولا يأكل درْمكاً.
ويوصي عمّاله فيقول: إيّاكم والحجاب، وأظهروا أمْركم بالبراز، وخذوا الذي لكم وأعطُوا الذي عليكم، فإنَّ امرأً ظلم حقَّه مضطرٌّ حتى يَغْدُو به مع الغادين.
وكتب عمر رضوان الله عليه إلى معاوية وهو عامله على الشام: " أما بعد فإنّي لم آلُكَ في كتابي إليك ونفسي خيْراً. إيّاك والاحتجاب دون الناس، وأْذن للضعيف وأدنه حتى ينبسط لسانه، ويجترئ قلبه، وتعهَّد الغريب فإنَّه إذا طال حبسه وضاق إذنه ترك حقَّه، وضعف قلبه، وإنما أتْوى حقَّه منْ حبسه. واحرص على الصُّلح بين الناس ما لم يستبنْ لك القضاء. وإذا حضرك الخصمان بالبيِّنة العادلة والأيمان القاطعة فأمض الحكم. والسلام " .
وكتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: " آسِ بين الناس في نظرك وحجابك وإذنك، حتى لا يطمع شريفٌ في حيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. وأعلم أن أسعد الناس عند الله تعالى يوم القيامة من سعد به الناس، وأشقاهم من شقوا به " .
وروى الهيثم بن عديٍّ عن ابن عباس قال: قال لي عبيد الله بن أبي المخارق القينيّ: استعملني الحجاج على الفلُّوجة العليا، فقلت: أما ها هنا دهقانٌ يعاش بعقله ورأيه؟ فقيل لي: بلى، ها هنا جميل بن بَصْبَهَرَّي. فقلت: عليَّ به. فأتاني فقلت: إن الحجّاج استعملني على غير قرابة ولا دالَّة ولا وسيلة، فأشرْ عليَّ. قال: لا يكون لك بوابٌ حتى إذا تذكّر الرجل من أهل عملك بابك لم يخف حجّابك، وإذا حضرك شريفٌ لم يتأخر عن لقائك ولم يحكم على شرفك حاجبك. وليطل جلوسك لأهل عملك يهبك عمَّالك، ويبقى مكانك. ولا يختلف لك حكم على شريف ولا وضيع، ليكن حكمك واحداً على الجميع، يثق الناس بعقلك. ولا تقبل من أحدٍ هديّةً فإنَّ صاحبها لا يرضى بأضعافها مع ما فيها من الشُّهرة.
من عهد إلى حاجبه
قال موسى الهادي لحاجبه: لا تحجُب الناس عنّي؛ فإنّ ذلك يزيل التزكية، ولا تُلقِ إليّ أمراً إذا كشفته وجدته باطلاً، فإنَّ ذلك يُوتغ المملكة.