وأخلق بمن كان في صفتك، وأحر بمن جرى على دربك، ألا يكون سبب تسرعه، وعلة تشحنه إلا من ضيق الصدر.
وجميع الخير راجع إلى سعة الصدر. فقد صح الآن أن سعة الصدر أصل، وما سوى ذلك من أصناف الخير فرع.
وقد رأيتك - حفظك الله - خونت جميع الوكلاء وفجرتهم، وشنعت على جميع الوراقين وظلمتهم، وجمعت جميع المعلمين وهجوتهم، وحفظت مساويهم، وتناسيت محاسنهم، واقتصرت على ذكر مثالب الأعلام والجلة، حتى صوب نفسك عند السامع لكلامك، والقارىء كتابك، أنك ممن ينكر الحق جهلا، أو يتركه معاندة له. وقد علم الناس أن من تركه جهلاً به أصغر إثماً ممن تركه عمداً.
ولعمري إن العلم لطوع يديك، والمتصرف مع خواطرك، والمستملي من بديهتك، كما يستملي من ثمرة فكرك، والمحصل من رويتك. ولكن الرأي لك أن لا تثق بما يرسمه العلم في الخلا، وتتوقاه في الملا.
اعلم أنك متى تفردت بعلمك استرسلت إليه. ومتى ائتمنت على نفسك نواجم خطرك، فقد أمكنت العدو من ربقة عنقك. وبنية الطبائع وتركيب النفوس، والذي جرت عليه العادة، إهمال النفس في الخلا، واعتقالها في الملا.
فتوقف عند العادة، واتهم النفس عند الاسترسال والثقة. قال ابن هرمة:
إن الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يكون له عي وإكثار
وبئس الشيء العجب، وحسن الظن بالبديهة! واعلم أن هذه الحال التي ارتضيتها لشأنك هي أمنية العدو، وتهزة الخصم، ومتى أبرزت كتابك على هذه الصورة وأفرغته هذا الإفراغ، ثم سبكته هذا السبك، فليس بعدوك حاجة إلى التكذيب عليك، وقول الزور فيك، لأنك قد مكنته من عرضك، وحكمته في نفسك.
وبعد، فمن يعجز عن عيب كتاب لم يحرس بالتثبت، ولم يحصن بالتصفح، ولم يغب بالمعاودة والنظر، ولم يقلب فيه الطرف من جهة الإشفاق والحذر. فكيف يوفق الله الواثق بنفسه، والمستبد برأيه لأدب ربه، ولما وصى به نبيه صلى الله عليه وسلم حين قال لرجل خاصم عنده رجلا فقال في بعض كلامه: حسبي الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبل الله من نفسك عذراً، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله " وزعمت في أول تشنيعك عليهم، فقلت: قال يعقوب بن عبيد لبعض ولده حين قال له في مرضه: أي شيء تشتهي؟ قال: كبد وكيل.
وقد كان ترك التجارة من سوء معاملتهم وفحش خبائثهم.
فصل من جوابه عن الوكلاء
قد فهمنا عذرك وسمعنا قولك، فاسمع الآن ما نقول: اعلم أن الوكيل، والأجير، والأمين، والوصي، في جملة الأمر، يجرون مجرىً واحداً. فأيش لك أن تقضي على الجميع بإساءة البعض. ولو بهرجنا جميع الوكلاء وخونا جميع الأمناء، واتهمنا جميع الأوصياء وأسقطناهم، ومنعنا الناس الارتفاق بهم، لظهرت الخلة وشاعت المعجزة، وبطلت العقد وفسدت المستغلات، واضطربت التجارات، وعادت النعمة بلية والمعونة حرماناً، والأمر مهملاً، والعهد مريجاً.
ولو أن التجار وأهل الجهاز صاحبوا الجمالين والمكارين والملاحين، حتى يعاينوا ما نزل بأموالهم في تلك الطرق والمياه، والمسالك والخانات، لكان عسى أن يترك أكثرهم الجهاز.
فصل منه
وقد قال الله عز وجل: " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض " ، وقال: " فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم " وقال: " ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف " .
وقال يوسف النبي صلى الله عليه وسلم لفرعون وفرعون كافر: " اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم " .
وقالت بنت شعيب في موسى بن عمران: " يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " : فجمع جميع ما يحتاج إليه في الكلمتين.
وفي قياسك هذا إسقاط جميع ما أدبنا الله به، وجعله رباطاً لمراشدنا في ديننا، ونظاماً لمصالحنا في دنيانا.
والذي يلزمني لك أن لا أعمهم بالبراءة، والذي يلزمك أن لا تعمهم بالتهمة، وأن تعلم أن نفعهم عام، وخيرهم خاص.
وقالوا: مثل الإمام الجائر مثل المطر، فإنه يهدم على الضعيف، ويمنع المسافر.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " حوالينا ولا علينا " .
والمطر وإن أفسد بعض الثمار، وأضر ببعض الأكرة فإن نفعه غامر لضرره.
وليس شيء من الدنيا يكون نفعه محضاً، وشره صرفا. وكذلك الإمام الجائر، وإن استأثر ببعض الفيء، وعطل بعض الحكم، فإن مضاره مغمورة بمنافعه.