FluentPlex

The Epistles

مناقب الترك

Original text Public domain

Read with the dictionary

وذكرتَ أبقاك الله أنك جالست أخلاطاً من جند الخليفة، وجماعةً من أبناء الدعوة، وشيوخاً من جلة الشيعة، وكهولاً من أبناء رجال الدولة، والمنسوبين إلى الطاعة والمناصحة، والمحبة الدينية، دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلاً من عرض تلك الجماعة، ومن حاشية تلك الجلة، ارتجل الكلام ارتجال مستبدٍ، وتفرد به تفرد معجبٍ، وأنه لم يستأمر زعمائهم، ولم يراقب خطباءهم، وأنه تعسف المعاني وتهجم على الألفاظ، وزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خرا ساني، وتركي، ومولًى، وعربي، وبنوي. وأنه أكثر من حمد الله وشكره على إحسانه ومننه، وعلى جميع أياديه وسابغ نعمه، وعلى شمول عافيته وعلى جزيل مواهبه، حين ألَّف على الطاعة هذه القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة،. وأنك اعترضت على هذا المتكلم المستبدّ، وعلى هذا القائل المتكلِّف، الذي قسَّم هذه الأقسام، وخالف بين هذه الأركان، وفصَّل بين أنسابهم، وفرق بين أجناسهم، وباعد بين أسبابهم. وأنك أنكرت ذلك عليه أشد الإنكار، وقذعته أشد القذع، وزعمت أنهم لم يخرجوا من الاتفاق أو من شيء يقرب من الاتفاق. وأنك أنكرت التباعد في النسب، والتباين في السبب. وقلت: بل أزعُم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيِّز واحد، وأن حكم ذلك الشرق، والقضية على ذلك الصُّقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت. وأن الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خرا ساني في الجملة وإن تميزوا ببعض الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه.

وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربي، ولا كالاختلاف بين الرومي والصقلي والزغبي والحبشي، فضلاً عما هو أبعد جوهراً وأشد خلافاً. بل كاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما يقال: أن هذيلاً أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل الحزون، وبين نزل البطون، وبين نزل النجود وبين نزل الأغوار.

وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضاً في بعض الصور، فقد تخالفت عُليا تميمٍ، وسفلي قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في اللغة، وهي أكثرها على خلاف لغة حِمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في الصورة والشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا مذرَّع ولا مزلج.

ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك البرية من خصائص الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق واللغة.

فإن قلت: فكيف كان أولادهما جميعاً عرباً مع اختلاف الأبوة.

قلنا : إن العرب لما كانت واحدةً فاستووا في التربة وفي اللغة، والشمائل والهمة، وفي الأنف والحمية،وفي الأخلاق والسجية، فسكبوا سبكاً واحداً، وأفرغوا إفراغاً واحداً، وكان القالب واحداً، تشابهت الأجزاء وتناسبت الأخلاط، وحين صار ذلك أشد تشابهاً في باب الأعم والأخص وفي باب الوفاق والمباينة من بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادةً أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها، وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بنى إسحاق وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبنى قحطان - وهو ابن عابر - ففي إجماع الفريقين على التناكح والمصاهرة، ومنعهما من ذلك جميع الأمم: كسرى فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسة.

وزعمت أنه أراد الفرقة التخريب، وأنك أردت الألفة والتقريب.

Hover any word on this page for its meaning

With a free account, hover any word in the library for its meaning, hear it read aloud, save words for review timed to your memory, and see how much of each book you already know.

Create free account