وأنزلني طولُ النَّوى دار غرْبةٍ ... إذا شئتُ لاقيت امرأً لا أشاكلُه
فحامقتُه حتَّى يقالُ سجيّةٌ ... ولو كان ذا عقلٍ لكنتُ أعاقلُه
ولو كنتُ في قومي وجُلِّ عشيرتي ... لألفيت فيهم كلّ خرقٍ أواصلُه
وأنشد لذي الرمة:
إذا هبَّت الأرواح من نحو جانبٍ ... به أهلُ ميٍّ هاج قلبي هبوبُها
هوىً تذرف العينان منه، وإنّما ... هوى كلِّ أرض حيث حلّ حبيبُها
وقال أبو عثمان: رأيت عبداً أسود حبشيّاً لبني أسيد قدم من شقِّ اليمامة فصار ناوراً، وكان وحشيّاً مجنوناً لطول الغربة مع الإبل، وكان لا يلقى إلاّ الأكرة، فلا يفهم عنهم ولا يستطيع إفهامهم، فلمَّا رآني سكن إليَّ، وسمعته يقول: لعن الله أرضاً ليس بها عرب، قاتل الله الشاعر حيث يقول: " حرُّ الثرى مُستعرب التُّراب " .
أبا عثمان، إنَّ هذه العُريب في جميع الناس كمقدار القُرحة في جلد الفرس، فلولا أنَّ الله رقَّ عليهم فجعلهم في حشاةٍ لطمست هذه العجم آثارهم. أترى الأعيار إذا رأت العتاق لا ترى لها فضلا! والله ما أمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم بقتلهم، إذْ لا يدينون بدينٍ، إلاّ لضنِّه بهم، ولا ترك قبول الجزية منهم إلاّ تنزيهاً لهم.
وقيل لأعرابيٍّ: ما السُّرور؟ فقال: أوبةٌ بغير خيبة، وألفةٌ بعد غيبة.
وقيل لآخر: ما السُّرور؟ قال: غيبةٌ تُفيد غنىً، وأوبةٌ تُعقب مُنىً. وأنشأ يقول:
وكنت فيهم كممطورٍ ببلدته ... يُسرُّ أن جمع الأوطانَ والمطرا
وأحسن ما سمعنا في حبِّ الوطن وفرحة الأوبة قوله:
وياسرتها فاستعجلت عن قناعها ... وقد يستخفُّ الطامعين المُياسرُ
مشمِّرة عن ساق خدلاء حُرَّة ... تُجاري بنيها مرّةً وتُحاضرُ
وخبَّرها الرُّواد أن ليس بينها ... وبين قُرى نجران والدَّربِ صافرُ
فألقت عصاها واستقرَّت بها النوى ... كما قرَّ عيناً بالإياب المسافرُ
وقيل لبعض الأعراب: ما الغبطة؟ قال: الكفاية مع لزوم الأوطان، والجلوس مع الإخوان. قيل: فما الذّلّة؟ قال: التنقُّل في البلدان، والتنحِّي عن الأوطان.
وقال آخر:
طلب المعاشِ مفرِّقٌ ... بين الأحبَّة والوطنْ
ومصيرٌ جلَّد الرجا ... ل إلى الضراعة والوهن
حتى يقاد كما يقا ... د النَّضو في ثني الرَّسنْ
ثم المنيَّة بعده ... فكأنه ما لم يكنْ
ووجدنا من العرب: من قد كان أشرف على نفسه، وأفخر في حسبه؛ ومن العجم: من كان أطيب عنصراً وأنفس جوهراً أشد حنيناً إلى وطنه، ونزاعاً إلى تربته.
وكانت الملوك على قديم الدَّهر لا تؤثر على أوطانها شيئاً.
وحكى المُوبذ أنَّه قرأ في سيرة إسْفنديار بن يستاسف بن لُهْواسف، بالفارسية، أنه لمَّا غزا بلاد الخزر ليستنقذ أخته من الأسر، اعتلَّ بها، فقيل له: ما تشتهي؟ قال: شمَّةً من تُربة بلخ، وشربةً من ماء واديها.
واعتلَّ سابور ذو الأكتاف بالرُّوم، وكان مأسوراً في القدّ، فقالت له بنت ملك الرُّوم وقد عشقتْه: ما تشتهي مما كان فيه غذاؤك؟ قال: شربةً من ماء دجْلة، وشمَّةً من تربة إصطخر! فغبرت عنه أيّاماً ثم أتته يوماً بماءِ الفرات، وقبضةً من تراب شاطئه، وقالت: هذا من ماء دجلة، وهذه من تربة أرضك، فشرب واشتمَّ من تلك التُّربة فنقه من مرضه.
وكان الإسكندر الرُّومي جال في البلدان وأخْرب إقليم بابل، وكنز الكنوز وأباد الخْلق،فمرض بحضْرة بابل، فلما أشفى أوصى إلى حكمائه ووزرائه أن تحمل رمَّته في تابوتٍ من ذهبٍ إلى بلده؛ حبّاً للوطن.
ولمَّا افتتح وهرز بن شيرزاذ بن بهرام جور اليمن، وقتل ملك الحبشة المتغلب - كان - على اليمن، أقام بها عاملاً لأنوشروان، فبنى نجران اليمن - وهي من أحصن مدن الثغور - فلما أدركته الوفاة أوصى ابنه شير زاد أن يحمل إلى إصطخر ناوس أبيه، ففعل به ذلك.
فهؤلاء الملوك الجبابرة الذين لم يفتقدوا في اغترابهم نعمة، ولا غادروا في أسفارهم شهوة، حنُّوا إلى أوطانهم، ولم يؤثروا على تُربهم ومساقط رءوسهم شيئاً من الأقاليم المستفادة بالتغازي والمدن المغتصبة من ملوك الأمم.