وزعم أهل التجربة أنّ الكوْم الذي يخلق الله تعالى منه الولد من بين الرجل والمرأة، أنّ سبب التلاقُح ما يحضرهما من إفراط الشهْوة، في ذلك الكوْم، فإذا أفرطت الشَّهوة دنت الرحم وانفتح المهبل، وهو فمُ الرَّحم، فتصير تلك النُّطفة أكثر وأحدَّ، فيصير زرْق الإحليل ومجُّه لها أبعد غاية.
وقال أهل التجربة: قلّ ما تلقح منهن امرأة إلاَّ لرجَّةٍ.
والبغلة والبغل يعتريهما من الشَّبق ما لا يعتري إناث السنانير، ثم هي مع ذلك لا تتلاقح، فإن لقحت في النُّدرة أخْدجت.
وقال الشاعر في سوس البغلة:
وقد سوستْ حتَّى تقاصر دونها ... هياجُ سنانير القُرى في الصَّنابرِ
وذلك من عيوبها.
قالوا: ولم تأخذ صهيل الأخوال، ولا نهيق الأعمام، وخرجت مقادير غراميلها عن غراميل أعمامها وأخوالها. فإن زعمتم أنّ أعمارها أطول، فعيوبها أكثر، وأيام الانتفاع بها أقلّ، وباعتها أفجر، والخصومة معهم أفحش، وخسرانها يوفى على أضعاف ربحها،وشرُّها غامرٌ لخيرها.
ومما تخالف أخلاق سائر المركوبات: أنك إذا سرت على الإبل والخيل والحمير والبقر، في الأسفار الطِّوال، في سواد ليلك، إلى انتصاف نهارك، ثم صارت إلى المنزل عند الإعياء والكلال، طلب جميع المركوبات المراعي والأواريّ، وأخرجت البغال بعقب ذلك التعب الطويل، أُيوراً كجعاب القسيّ، تضرب بها بطونها وصدورها، حتَّى كأنها تتعالج به من ألم السَّفر. وكلُّ دابة سواها إذا بلغت لم يكن لها همّة إلاّ المراغة والرُّبوض، والأكل والشُّرب.
وهي مع ذلك من أغلم الدوابّ، وأبعدها من العتق، ولم نجد عظم الأيور في جميع الحيوان في أشراف الحيوان إلاّ في الفرْط، وذلك عامّ في الزنوج والحبْشان، وتجده في الحمير والبغال.
قالوا: وأير الفيل كبير، ولم يخرج من مقدار بدنه.
ولعمري إنّ الرجال ليتمنَّون عظم الأيور كما تتمنَّى النساء ضيق الأحراح.
قال محمد بن مُناذر، وأبو سعيد راوية بشَّار، قالا: ضحك بشارٌ الأعمى يوماً ونحن عنده، بعد أنْ أطال السكوت، فقلنا: ما الذي أضحكك يا أبا مُعاذ؟ قال: أضحكني أنّه ليس على ظهرها رجلٌ إلاّ وبودِّه أن أيره أكبر ممَّا هو عليه، ولا على ظهرها امرأة إلاّ وبودِّها أن حرها أضيق ممّا هو عليه. فلو أعطى الله الرجال سُولهم في العظم، وأعطى النساء سُولهنَّ في الضِّيق، لوقع العجز، وبطل التناكح، وبطل ببطلان التناكح التلاقح. وهذا لُطفٌ من ربِّك.
قالا: وقال لنا يوماً ونحن جماعة: أتدرون أيُّ الرجال يتمنَّون ضيق الأحراح، وأيّهم يتمنَّى سعتها؟ قلنا: لا. قال: إنمّا يتمنَّى السَّعة كلّ رديّ النَّعْظ، مُسترخي عصب الأير، وإنمّا يتمنَّى الضِّيق كلّ متوتّر العصب، شديد النَّعْظ.
قال: وذمّ آخر البغل، فقال: عظيم الغرمول، كبير الرأس، عقيم الصُّلب، قبيح الصوت، بطيء الحُضْر، مهْياف إلى الماء، متلوِّن الأخلاق، كثير العلل، فاجر البائع، قتّال لراكبه، شديد العداوة لرائضه، حرونٌ عند الحاجة. والحران إليه أسرع، ودواؤه أعسر. إن كان أغرَّ كان سمحاً، وإن كان مُحجَّلاً كان مشوماً. ولم يتواضع الملوك والأشراف بركوبه إلاَّ لإفراط نذالته، ولا ركبه الرُّؤساء في الحرب إلاَّ لظهور عجزه. وفي الأنبياء راكب البعير، وراكب الحمار. وكلُّ ذي عزمٍ منهم فركّاب خيل ومُرتبط عتاق، وليس فيهم راكب بغل، وإنما كانت بغلة النبي صلى الله عليه وسلم، هديَّة من المُقوقس، قبلها على التألُّف، وعلى مثال ما كان يُعطى المؤلَّفة قلوبهم. ولم يجعلها الله شرىً، ولا تلاداً ولا هديَّة سلم.
باب في مدح البغال وذمها
يُروى عن ابن عبَّاس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أنه نهى أن يُنْزى حمارٌ على فرس، ونهانا أن نأكل الصَّدقة، وأمرنا أن نُسْبغ الوضوء.
وعن عليّ كرّم الله وجهه قال: نهى النبيّ صلى الله عليه وسلم، أن يُنْزى الحمار على فرس.