قال قاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام، من ضرب المثل بالخوارج، كقول الشاعر:
إذا ما البخيل والمحاذر للقرى ... رأى الضيف مثل الأزرقيِّ المجفَّف
وكقول الآخر:
وقلبِ ودٍّ حال عن عهده ... والسيف ينبو بيد الشاري
وكقول الآخر:
لقاء الأسد أهون من لقاه ... إذا التحكيم يسهر بالأصل
فهذه زيادة قاسم بن سيار.
فأما حميد فإنه قال: الشدة الأولى التركي فيها أحمد أثراً، وأجمع أمراً، وأحكم شأنا؛ لأن التركي من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم ولا منقسم الخواطر، قد عود برذونه ألا ينثنى وإن ثناه، أن يملأ فروجه للأمر يديره مرة أو مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه.وإنما أراد التركي أن يوئس نفسه من البدوات، ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول اللقاء، وحب الحياة؛ لأنه إذا علم أنه قد صيَّر برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني ولا يجيبه إلى التصرف معه إلا بأن يصنع شيئاً بين الصفين فيه عطبه، لم يُقدم على الشدة إلا بعد إحكام الأمر، والبصر بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمُحرج الذي إذا رأى أشد القتال لم يدع جهدا ولم يدخر حيلة، ولينفيَ عن قلبه خواطر الفرار، ودواعيَ الرجوع.
وقال: الخارجيُّ عند الشدة إنما يعتمد على الطِّعان، والأتراك تطعن طعن الخوارج، وإن شدَّ منهم ألف فارس فرموا رشقاً واحداً صرعوا ألف فارس، فما بقاء جيش على هذا النوع من الشدة! والخوارج والأعراب ليست لهم رماية مذكورة إلى ظهور الخيل، والتركيُّ يرمى الوحش والطي، والبرجاس، والناس والمجثَّمة، والمثل الموضوعة، ويرمى بعشرة أسهم قبل أن يفوق الخارجي سهماً واحداً، ويركض دابته منحدراً من جبل، أو مستفلاً إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط الأرض .
وللتركيِّ أربعة أعين : عينان في وجهه، وعينان في قفاه. وللخارجيِّ عيب في مستدبر الحرب ، وللخرسانيِّ عيبٌ في مستقبل الحرب. فعيب الخرسانية أن لها جولة عند أول الالتقاء، وإن ركبوا كسأهم كانت هزيمتهم، وكثيراً ما يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدوِّ في الشدة.
والخوارج إذا ولوا فقد ولوا وليس لهم بعد الفرِّ كر، إلا ما لا يعد. والتركيُّ ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم النافع، والحتف القاضي؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبرٌ كما يصيب به وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه، ولا انتساف الفرس، واختطاف الفارس بتلك الراكضة.
ولم يفلت من الوهق في جميع الدهر إلا المهلب بن أبي صفرة، والحريش بن هلال، وعباد بن الحصين. وربما رمى بالوهق وله فيه تدبير آخر وإن لم يجنب المرمى معه، يوهم الجاهل أن ذلك إنما كان لخرق التركي، أو لحذق المرمى.
قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك.
قال: والتركي في حال شدته، معه كل شيء يحتاج إليه لنفسه وسلاحه ودابته وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب وعلى مواصلة السفر، وعلى طول السُّري وقطع البلاد، فعجيبٌ جداً.
فواحدةً: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي.
والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي أحذق من البيطار، وأجود تقويماً لبرذونه على ما يريده من الراضة وهو استنتجه، وهو رباه فلواً، وتتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه. وقد عوده ذلك حتى عرفه، كما يعرف الفرس أقدم، والناقة حل، والجمل جاه، والبغل عدس، والحمار ساسا، وكما يعرف المجنون لقبه والصبي اسمه.
ولو حصلت عُمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته أكثر من جلوسه على ظهر الأرض. والتركي يركب فحلاً أو رمكة، ويخرج غازياً أو مسافراً، أو متباعداً في طلب صيدٍ، أو سببٍ من الأسباب، فتتبعه الرَّمكة وأفلاؤها، إن أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها أو احتاج إلى طعامٍ فصد دابةً من دوابِّه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدةً تحته ركب أخرى من غير أن ينزل إلى الأرض. وليس في الأرض أحدٌ إلا وبدنه ينتفض على اقتيات اللحم وحده غيره؛ وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظُّلها من شمس ولا يكنها من برد.