كتب أبو العيناء إلى عبيد الله بن سليمان في نكبته: قد علمت أطال الله بقاك أن الكريم المنكوب أجدى على الأحرار من اللئيم الموفور، لأن اللئيم يزيد من النعمة لؤما، لا يزيد المحنة الكريم إلا كرما، هذا متكل على رازقه، وذا يسيء الظن بخالقه.
كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر: فإني ما اذكر فتنة صفين إلا كانت حزازة في صدري. فكتب إليه خفض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقاً لا يرفعه عمل، ولا يضعه عزل.
وروي أنه كتب إليه: أنظر رجلاً يصلح لثغر الهند فوله. فكتب زياد: أن قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس، وسنان بن سلمة، فكتب معاوية: بأي يومي الأحنف بن قيس، وسنان بن سلمة، فكتب معاوية: بأي يومي الأحنف بن قيس نكافيه، أبخذلان أم المؤمنين، أم بسعيه علينا يوم صفين؟ فوجه سنانا. فكتب إليه: أن الأحنف قد بلغ من الشرف ومن الحلم والسؤدد ما لا ترفعه الولاية ولا يضعه العزل.
أنشد هشام بن عروة لزيد بن عمرو بن نفيل:
إذا كان لخطاء أقل ضراً ... وأنفع في الخطوب من الصواب
وكان النوك يلحق بالثريا ... وكان العقل يدفن في التراب
وعطلت المكارم والمعالي ... وأغلق دون ذلك كل باب
وأقصى كل ذي حسب ودين ... وقرب كل مهتوك الحجاب
وولي بعضهم حرباً وخرجاً ... وولي بعضهم فصل الخطاب
فما أحد أظن بما لديه ... من المتحرج المحض اللباب
مطرف: لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك، ولين رياسهم، ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم، وسوء منقلبهم.
شيخ منؤبني تميم: ما أسرع انتقالهم وما هم فيه، ثم بكى وقال: إن عمرا قصيرا يستوجب صاحبه النار مشؤوم على صاحبه.
مر بعضهم على قصر خرب فقال: ذهبت أعمارهم، وبقيت أعمالهم.
لما قتل عامر بن إسماعيل مروان بن محمد، ونزل في داره، وقعد على فرشه، دخلت عليه عبدة بنت مروان فقالت: يا عامر إن دهراً أنزل مروان عن فرشه، وأقعدك عليها، لمبلغ في عظتك أن عقلت.
مالك بن دينار: مررت على قصر تضرب فيه الجواري بالدفوف ويقلن:
ألا يا دار لا يدخلك حزن ... ولا يذهب بساكنك الزمان
ثم مررت عليه بعد حين وهو خراب، وثم عجوز فقالت: يا عبد الله قد والله دخلها الحزن، وذهب بأهلها الزمان.
أبو العتاهية:
لئن كنت بالدنيا بصيراً فإنما ... بلاغك منها مثل زاد المسافر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه ... فما فاته منها فليس بضائر
عبد الملك بن عمير: رأيت رأس الحسين عليه السلام بين يدي ابن زياد في قصر الكوفة، ثم رأس ابن زياد بين يدي المختار، ثم رأسه بين يدي مصعب، ثم رأسه بين يدي عبد الملك. قال سفيان: فقلت له: كم كان بين أول الرؤوس وآخرها؟ قال: ثنتا عشرة سنة.
كان للنعمان بن المنذر بن ماء السماء وهو النعمان الأصغر الذي قتله أبرويز تحت أرجل الفيلة قبل مبعث الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وولى مكانه إياس بن قبيصة بنتان قد ترهبتا: هند صاحبة دير هند بنته بظاهر الكوفة، والحرقة؛ وحين فتح خالد ابن الوليد عين التمر، سأل عن الحرقة، فأتاها وسألها عن حالها فقالت: لقد طلعت علينا الشمس وما من شيء يدب حول الخورنق إلا تحت أيدينا، ثم غربت وقد رحمنا كل من يدور به، وما من بيت دخلته حبرة إلادخلته عبرة؛ وأنشأت تقول:
بينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن منهم سوقه نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تيارات بنا وتصرف
وأتت سعد بن أبي وقاص في جوار لها في مثل زيها، فقال: سعد قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر إليها حيث يقول:
إن للدهر صرعة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الشرورا
قد يبيت الفتى معافى فيردى ... ولقد كان آمناً مسروراً
ثم أكرمها وأحسن جائزتها؛ فلما قامت قالت: أحييك تحية أملاكنا بعضهم بعضا: لا جعل الله لك إلى لئيم حاجة، ولانزع عن عبد صالح نعمة إلا جعلك سببا لردها عليه، فلقيها النساء وقلن: ما فعل بك الأمير؟ فقالت:
حاط لي ذمتي وأكرم وجهي ... إنما يكرم الكريم الكريما