إِذَا افْتَتَحَ الشَّاعِرُ الْجَاهِلِيُّ قَصِيدَتَهُ، فَأَوَّلُ مَا يَصْنَعُ أَنْ يَقِفَ عَلَى دِيَارٍ خَلَتْ مِنْ أَهْلِهَا، وَيَسْتَوْقِفَ صَاحِبَيْهِ، وَيُسَائِلَ الْأَطْلَالَ وَهِيَ صَمَّاءُ لَا تُجِيبُ.
وَأَشْهَرُ ذٰلِكَ مَطْلَعُ مُعَلَّقَةِ امْرِئِ الْقَيْسِ:
«قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ، بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ».
فِي هٰذَا الْبَيْتِ الْوَاحِدِ تَجْتَمِعُ عَنَاصِرُ الْمَشْهَدِ كُلُّهَا: الْوُقُوفُ، وَالرُّفْقَةُ، وَالْبُكَاءُ، وَالذِّكْرَى، ثُمَّ أَسْمَاءُ مَوَاضِعَ لَا نَعْرِفُ عَنْهَا الْيَوْمَ إِلَّا أَنَّ الشَّاعِرَ ذَكَرَهَا.
وَقَدْ صَارَ هٰذَا الْوُقُوفُ سُنَّةً يَتَوَارَثُهَا الشُّعَرَاءُ، فَقَالَ طَرَفَةُ بْنُ الْعَبْدِ فِي مَطْلَعِ مُعَلَّقَتِهِ:
«لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةِ ثَهْمَدِ، تَلُوحُ كَبَاقِي الْوَشْمِ فِي ظَاهِرِ الْيَدِ».
فَشَبَّهَ مَا بَقِيَ مِنَ الدِّيَارِ بِوَشْمٍ قَدِيمٍ لَا يَكَادُ يُرَى، وَهُوَ تَشْبِيهٌ يَجْمَعُ الْمَكَانَ وَالْجَسَدَ وَالزَّمَانَ فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَافْتَتَحَ لَبِيدٌ مُعَلَّقَتَهُ بِقَوْلِهِ: «عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا»، فَكَأَنَّمَا كَانَتِ الْقَصِيدَةُ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا إِذَا بَدَأَتْ مِنْ أَثَرٍ دَارِسٍ.
وَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هٰذِهِ السُّنَّةَ فِي كِتَابِ «الشِّعْرِ وَالشُّعَرَاءِ»، فَذَكَرَ أَنَّ الشَّاعِرَ يَبْدَأُ بِذِكْرِ الدِّيَارِ وَالدِّمَنِ وَالْآثَارِ، ثُمَّ يَصِلُ ذٰلِكَ بِالنَّسِيبِ لِيُمِيلَ نَحْوَهُ الْقُلُوبَ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى وَصْفِ الرِّحْلَةِ وَالنَّاقَةِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمَدِيحَ الَّذِي هُوَ غَايَتُهُ.
غَيْرَ أَنَّ هٰذَا التَّفْسِيرَ، عَلَى صِحَّتِهِ، لَا يَبْلُغُ سِرَّ الطَّلَلِ، فَلَيْسَ الطَّلَلُ حِيلَةً لِاسْتِمَالَةِ السَّامِعِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وُقُوفُ الْإِنْسَانِ أَمَامَ الزَّمَانِ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
فَالرِّيحُ تَمْحُو، وَالْمَطَرُ يَطْمِسُ، وَالْأَهْلُ يَرْحَلُونَ وَلَا يَعُودُونَ، وَالشَّاعِرُ وَحْدَهُ يَقِفُ لِيَشْهَدَ أَنَّ شَيْئًا كَانَ هُنَا، ثُمَّ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الرَّمَادُ وَالْأَثَافِيُّ.
وَالْعَجِيبُ أَنَّ الْقَصِيدَةَ حَفِظَتْ مَا عَجَزَتِ الصَّحْرَاءُ عَنْ حِفْظِهِ، فَقَدْ دَرَسَتِ الدِّيَارُ، وَبَقِيَ الدَّخُولُ وَحَوْمَلُ اسْمَيْنِ حَيَّيْنِ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ مُنْذُ نَحْوِ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا.
وَلَمْ تَخْلُ هٰذِهِ السُّنَّةُ مِنْ سَاخِرٍ، فَقَدْ ضَاقَ بِهَا أَبُو نُوَاسٍ فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ، فَقَالَ:
«قُلْ لِمَنْ يَبْكِي عَلَى رَسْمٍ دَرَسْ، وَاقِفًا مَا ضَرَّ لَوْ كَانَ جَلَسْ».
وَلٰكِنَّ سُخْرِيَتَهُ نَفْسَهَا شَهَادَةٌ بِقُوَّةِ هٰذَا الْمَطْلَعِ، إِذْ لَا يُسْخَرُ إِلَّا مِمَّا رَسَخَ فِي النُّفُوسِ حَتَّى صَارَ عَادَةً.
ثُمَّ إِنَّ الطَّلَلَ لَمْ يَمُتْ بِمَوْتِ الْبَادِيَةِ، فَكُلُّ مَنْ وَقَفَ عَلَى بَيْتِ طُفُولَتِهِ بَعْدَ غِيَابٍ طَوِيلٍ فَقَدْ قَالَ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاعِرًا: «قِفَا نَبْكِ».