حُكِيَ أَنَّ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ بَلَغَهُ عِلْمُ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ مَدِينَتِهِ، قَدِ انْقَطَعَ إِلَى الْكُتُبِ، وَاعْتَزَلَ أَبْوَابَ السَّلَاطِينِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى قَصْرِهِ لِيُؤَدِّبَ ابْنَهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ.
فَقَالَ الشَّيْخُ لِلرَّسُولِ: «قُلْ لِمَوْلَاكَ: إِنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلَا يَأْتِي، فَإِنْ أَرَادَ لِابْنِهِ خَيْرًا فَلْيَبْعَثْهُ إِلَيَّ مَعَ سَائِرِ الطَّلَبَةِ».
فَغَضِبَ الْمَلِكُ لَمَّا بَلَغَهُ الْجَوَابُ، وَهَمَّ أَنْ يَبْطِشَ بِالشَّيْخِ، ثُمَّ رَاجَعَ نَفْسَهُ، وَقَالَ لِوَزِيرِهِ: «رَجُلٌ لَا يَرْجُو مَا عِنْدِي، وَلَا يَخَافُ مَا فِي يَدِي، حَقِيقٌ بِأَنْ يُسْمَعَ مِنْهُ».
فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ خَاصَّتِهِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ الشَّيْخُ، فَوَجَدَهُ فِي حَلْقَةٍ مِنَ الطَّلَبَةِ، فِيهِمُ ابْنُ الْخَبَّازِ وَابْنُ الْحَائِكِ وَابْنُ السَّقَّاءِ.
فَلَمَّا رَآهُ الطَّلَبَةُ هَمُّوا بِالْقِيَامِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمُ الشَّيْخُ أَنْ يَثْبُتُوا فِي أَمَاكِنِهِمْ، فَثَبَتُوا وَقُلُوبُهُمْ تَخْفِقُ.
وَلَمْ يَقُمْ لَهُ الشَّيْخُ، وَلَمْ يَقْطَعْ دَرْسَهُ، بَلْ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اجْلِسْ، فَجَلَسَ الْمَلِكُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ، وَأَجْلَسَ ابْنَهُ إِلَى جَانِبِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ الشَّيْخُ مِنْ دَرْسِهِ الْتَفَتَ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَوْ قُمْتُ لَكَ لَقَامَ هٰؤُلَاءِ، وَلَوْ قَامُوا لَانْقَطَعَ الْعِلْمُ، وَمَا جَلَسْنَا هُنَا إِلَّا لَهُ».
فَقَالَ الْمَلِكُ: «قَدْ عَذَرْتُكَ، فَأَخْبِرْنِي: أَيُّنَا أَحْوَجُ إِلَى صَاحِبِهِ، الْعَالِمُ إِلَى الْمَلِكِ أَمِ الْمَلِكُ إِلَى الْعَالِمِ؟»
فَقَالَ الشَّيْخُ: «الْمَلِكُ إِلَى الْعَالِمِ أَحْوَجُ، لِأَنَّ الْعَالِمَ يَعِيشُ بِلَا مُلْكٍ، وَالْمُلْكَ لَا يَعِيشُ بِلَا عِلْمٍ، وَمَا هَلَكَتْ دَوْلَةٌ إِلَّا حِينَ أَبْعَدَ مُلُوكُهَا عُلَمَاءَهَا، وَقَرَّبُوا جُهَّالَهَا».
ثُمَّ قَالَ: «وَقَدْ قِيلَ: نِعْمَ الْأَمِيرُ عَلَى بَابِ الْفَقِيرِ، وَبِئْسَ الْفَقِيرُ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ، وَمَا أَرَدْتُ بِامْتِنَاعِي إِلَّا أَنْ أَحْفَظَ لِلْعِلْمِ عِزَّهُ، وَلَكَ قَدْرَكَ».
فَأَطْرَقَ الْمَلِكُ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ، الْزَمْ هٰذَا الْمَجْلِسَ، وَاجْلِسْ حَيْثُ يُجْلِسُكَ الشَّيْخُ، فَإِنَّ مَنْ تَوَاضَعَ لِلْعِلْمِ صَغِيرًا رَفَعَهُ الْعِلْمُ كَبِيرًا».
ثُمَّ أَمَرَ لِلشَّيْخِ بِبَدْرَةٍ مِنَ الْمَالِ، فَرَدَّهَا وَقَالَ: «اجْعَلْهَا فِي هٰؤُلَاءِ الطَّلَبَةِ، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنِّي».
فَبَنَى الْمَلِكُ لِلطَّلَبَةِ دَارًا يَسْكُنُونَهَا، وَوَقَفَ عَلَيْهَا خِزَانَةً مِنَ الْكُتُبِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، فَكَانَ النَّاسُ بَعْدَ ذٰلِكَ يَقُولُونَ: «عَزَّ الْعِلْمُ يَوْمَ تَوَاضَعَ لَهُ الْمَلِكُ، وَمَا ذَلَّ الْمَلِكُ بَلْ عَزَّ».