اعْلَمْ، حَفِظَكَ اللّٰهُ، أَنَّ الْبَلَاغَةَ لَيْسَتْ فِي كَثْرَةِ الْكَلَامِ، وَلَا فِي غَرَابَةِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا فِي التَّشَدُّقِ وَالتَّقَعُّرِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَنْ تُصِيبَ الْمَعْنَى بِاللَّفْظِ الَّذِي هُوَ لَهُ، وَأَنْ تَضَعَ الْكَلَامَ حَيْثُ يَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ «الْبَيَانِ وَالتَّبْيِينِ»: «الْبَيَانُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ شَيْءٍ كَشَفَ لَكَ قِنَاعَ الْمَعْنَى».
وَهٰذَا حَدٌّ لَوْ تَدَبَّرْتَهُ لَوَجَدْتَهُ قَدْ جَمَعَ إِلَى اللَّفْظِ الْإِشَارَةَ وَالْخَطَّ وَالْعَقْدَ وَالنِّصْبَةَ، أَيِ الْحَالَ الَّتِي تَدُلُّ بِغَيْرِ لِسَانٍ.
فَالسَّمَاءُ بِنُجُومِهَا نَاطِقَةٌ وَإِنْ لَمْ تَتَكَلَّمْ، وَالْأَرْضُ بِنَبَاتِهَا شَاهِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا لِسَانٌ، وَالْخَرَابُ يُحَدِّثُكَ عَنْ أَهْلِهِ بِمَا لَا يُحَدِّثُكَ بِهِ الْخَطِيبُ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالًا، وَأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يَحْسُنُ فِي مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ يَقْبُحُ فِي سُوقِ الدَّوَابِّ، وَأَنَّ لُغَةَ الْأَعْرَابِ إِذَا حُمِلَتْ إِلَى الْبَقَّالِ لَمْ يَفْهَمْهَا، وَإِذَا فَهِمَهَا ضَحِكَ مِنْهَا.
وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُرْوَى فِي ذٰلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُتَقَعِّرِينَ سَقَطَ فِي الطَّرِيقِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: «مَا لَكُمْ تَكَأْكَأْتُمْ عَلَيَّ كَتَكَأْكُئِكُمْ عَلَى ذِي جِنَّةٍ؟ افْرَنْقِعُوا عَنِّي».
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْعَامَّةِ: «دَعُوهُ، فَإِنَّ شَيْطَانَهُ يَتَكَلَّمُ بِالْهِنْدِيَّةِ».
فَانْظُرْ كَيْفَ صَارَ الْغَرِيبُ، وَهُوَ عِنْدَ صَاحِبِهِ زِينَةٌ، جُنُونًا عِنْدَ سَامِعِيهِ.
وَلَسْتُ أَذُمُّ الْغَرِيبَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنَّ لِلشِّعْرِ لُغَةً، وَلِلْخُطْبَةِ لُغَةً، وَلِلْكُتُبِ إِلَى الْمُلُوكِ لُغَةً، وَلِلنَّوَادِرِ وَالْمُلَحِ لُغَةً أُخْرَى، وَرُبَّمَا أَفْسَدْتَ النَّادِرَةَ إِذَا أَعْرَبْتَهَا، وَكَانَ حُسْنُهَا فِي لَحْنِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: «خَيْرُ الْكَلَامِ مَا قَلَّ وَدَلَّ»، فَصَحِيحٌ إِذَا كَانَ السَّامِعُ فَطِنًا وَالْمَعْنَى قَرِيبًا، فَأَمَّا إِذَا غَمُضَ الْمَعْنَى أَوْ بَطُؤَ فَهْمُ السَّامِعِ، فَالْإِطَالَةُ حِينَئِذٍ هِيَ الْبَلَاغَةُ، وَالْإِيجَازُ عِيٌّ وَتَقْصِيرٌ.
وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الْخُطَبَاءِ مَنْ يُطِيلُ فَلَا يُمَلُّ، وَمَنْ يُوجِزُ فَلَا يُفْهَمُ، وَالْأَوَّلُ عِنْدِي أَبْلَغُ مِنَ الثَّانِي، لِأَنَّ الْغَايَةَ مِنَ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ، لَا عَدُّ الْكَلِمَاتِ.
فَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ بَلِيغًا فَاعْرِفْ قَبْلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ مَنْ تُخَاطِبُ، وَفِيمَ تُخَاطِبُ، وَمَتَى، ثُمَّ تَخَيَّرْ مِنَ الْأَلْفَاظِ أَسْهَلَهَا مَخْرَجًا، وَأَوْضَحَهَا دَلَالَةً، وَأَشْبَهَهَا بِالْمَعْنَى.
وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أُمِلَّكَ، وَأَنْ أَكُونَ قَدْ أَطَلْتُ فِي وَصْفِ الْإِيجَازِ، لَزِدْتُكَ مِنْ هٰذَا الْبَابِ، وَلٰكِنْ فِي هٰذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ لِمَنْ عَقَلَ.