الْحِكْمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ تَجْرِبَةُ عُمُرٍ طَوِيلٍ صُبَّتْ فِي كَلِمَاتٍ قَلِيلَةٍ، فَهِيَ كَالدِّينَارِ: صَغِيرٌ حَجْمُهُ، كَبِيرَةٌ قِيمَتُهُ، يَتَدَاوَلُهُ النَّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ فَلَا يَبْلَى.
فَمِنْ ذٰلِكَ قَوْلُهُمْ: «رُبَّ كَلِمَةٍ تَقُولُ لِصَاحِبِهَا: دَعْنِي».
وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْكَلِمَةَ مَا دَامَتْ فِي صَدْرِكَ فَأَنْتَ مَالِكُهَا، فَإِذَا خَرَجَتْ مَلَكَتْكَ، وَرُبَّمَا جَرَّتْ عَلَيْكَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَخْطُرْ لَكَ بِبَالٍ.
وَيَقْرُبُ مِنْهُ مَا يُنْسَبُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: «إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ»، فَالْعَاقِلُ يَزِنُ قَوْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُرْسِلَهُ، وَالْجَاهِلُ يُرْسِلُهُ ثُمَّ يَزِنُهُ حِينَ لَا يَنْفَعُ الْوَزْنُ.
وَيُنْسَبُ إِلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُهُ: «قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ».
وَفِي هٰذِهِ الْكَلِمَاتِ الْقَلِيلَةِ مَذْهَبٌ كَامِلٌ فِي تَقْدِيرِ النَّاسِ، فَلَا يُقَاسُ الْمَرْءُ بِنَسَبِهِ وَلَا بِمَالِهِ وَلَا بِثِيَابِهِ، بَلْ بِمَا يُتْقِنُهُ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَنْعَةٍ.
فَالنَّجَّارُ الْمَاهِرُ أَعْلَى قِيمَةً مِنْ أَمِيرٍ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا، وَالْخَطَّاطُ الْمُتْقِنُ أَرْفَعُ قَدْرًا مِنْ غَنِيٍّ لَا يُحْسِنُ إِلَّا الْإِنْفَاقَ.
وَيَقُولُونَ: «الْعِلْمُ فِي الصِّغَرِ كَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ»، وَقَدْ جَاءَ الْقَوْلُ مَسْجُوعًا لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ، كَأَنَّهُ يُطَبِّقُ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ.
وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَقْعُدَ الْكَبِيرُ عَنِ الطَّلَبِ، وَإِنَّمَا هُوَ حَثٌّ لِلْآبَاءِ عَلَى أَنْ يَغْتَنِمُوا صَفَاءَ الطُّفُولَةِ قَبْلَ أَنْ تَزْدَحِمَ الْقُلُوبُ بِالْهُمُومِ.
وَمِنْ أَقْوَالِهِمُ السَّائِرَةِ: «الْوَقْتُ كَالسَّيْفِ، إِنْ لَمْ تَقْطَعْهُ قَطَعَكَ»، فَشَبَّهُوا الْوَقْتَ بِسَيْفٍ مَسْلُولٍ: إِمَّا أَنْ تُمْسِكَهُ مِنْ مَقْبِضِهِ فَتَعْمَلَ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ تَتْرُكَهُ فَيَعْمَلَ فِيكَ.
فَمَنْ أَضَاعَ يَوْمَهُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ فَقَدْ جُرِحَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
وَيَقُولُونَ: «مَنْ جَدَّ وَجَدَ، وَمَنْ زَرَعَ حَصَدَ»، فَتَرَى «وَجَدَ» كَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ «جَدَّ»، كَمَا يَخْرُجُ الْحَصَادُ مِنَ الزَّرْعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: «خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا»، فَفِيهِ خُلَاصَةُ الْأَخْلَاقِ كُلِّهَا، إِذِ الشَّجَاعَةُ وَسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ، وَالْكَرَمُ وَسَطٌ بَيْنَ الْإِسْرَافِ وَالْبُخْلِ، وَالتَّوَاضُعُ وَسَطٌ بَيْنَ الْكِبْرِ وَالْمَهَانَةِ.
وَقَدْ يَبْدُو بَعْضُ الْحِكَمِ مُنَاقِضًا لِبَعْضٍ، فَهُمْ يَقُولُونَ: «فِي التَّأَنِّي السَّلَامَةُ، وَفِي الْعَجَلَةِ النَّدَامَةُ»، ثُمَّ يَقُولُونَ: «خَيْرُ الْبِرِّ عَاجِلُهُ».
وَلَا تَنَاقُضَ فِي الْحَقِيقَةِ، فَالتَّأَنِّي مَحْمُودٌ فِي الرَّأْيِ قَبْلَ أَنْ يُبْرَمَ، وَالْعَجَلَةُ مَحْمُودَةٌ فِي الْخَيْرِ بَعْدَ أَنْ يَتَبَيَّنَ، وَالْحِكْمَةُ كُلُّ الْحِكْمَةِ أَنْ تَعْرِفَ أَيُّ الْقَوْلَيْنِ يَصْلُحُ لِأَيِّ الْمَوْقِفَيْنِ.
فَالْحِكَمُ كَالْأَدْوِيَةِ، لَا يَنْفَعُ حِفْظُهَا مَنْ لَا يَعْرِفُ مَتَى يَسْتَعْمِلُهَا، وَلَا مَنْ يَعْرِفُ وَلَا يَعْمَلُ.