حَدَّثَ ثَابِتُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: دَخَلْتُ سُوقَ الْبَصْرَةِ وَقَدْ حَمِيَ الضُّحَى، وَدَارَتْ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الرَّحَى، فَإِذَا الْبَاعَةُ يَصِيحُونَ، وَالدَّلَّالُونَ يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ.
فَهٰذَا بَزَّازٌ يَنْشُرُ الْحَرِيرَ، وَذَاكَ عَطَّارٌ يَعْرِضُ الْعَبِيرَ، وَهٰذَا صَيْرَفِيٌّ يَزِنُ الدَّنَانِيرَ، وَذَاكَ جَمَّالٌ يُسَاوِمُ عَلَى الْبَعِيرِ.
وَالْأَصْوَاتُ تَعْلُو وَتَخْتَلِطُ، كَأَنَّهَا سَيْلٌ يَنْحَدِرُ وَيَنْبَسِطُ، فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا: «هَلُمَّ إِلَى الْجَيِّدِ الرَّخِيصِ»، وَ«مَنْ يَزِيدُ عَلَى هٰذَا الْقَمِيصِ؟»
وَبَيْنَمَا أَنَا أَجُولُ بَيْنَ الدَّكَاكِينِ، وَأَتَّقِي مَزَالِقَ الطِّينِ، إِذَا جَمْعٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَى شَيْخٍ رَثِّ الثِّيَابِ، قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ وَالتُّرَابُ.
فَزَاحَمْتُ الْمَنَاكِبَ، حَتَّى صِرْتُ مِنْهُ قَرِيبًا كَالصَّاحِبِ، فَإِذَا هُوَ وَاقِفٌ عَلَى حَجَرٍ، كَأَنَّهُ خَطِيبٌ عَلَى مِنْبَرٍ، وَهُوَ يَقُولُ:
«يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، وَسُكَّانَ هٰذِهِ الدَّارِ، إِنَّ الدُّنْيَا سُوقٌ يَرْبَحُ فِيهَا الْأَبْرَارُ، وَيَخْسَرُ فِيهَا الْفُجَّارُ.
فَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْأَمْوَالُ، فَإِنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ، وَعَرَضٌ حَائِلٌ.
وَاذْكُرُوا يَوْمًا تُنْصَبُ فِيهِ الْمَوَازِينُ، وَيَخْسَرُ فِيهِ الْمُطَفِّفُونَ.
كَمْ مِنْ غَنِيٍّ بَاتَ عَلَى الْحَرِيرِ، فَأَصْبَحَ عَلَى الْحَصِيرِ، وَكَمْ مِنْ أَمِيرٍ كَانَ يَأْمُرُ وَيَنْهَى، فَصَارَ حَدِيثًا يُرْوَى وَيُنْسَى!
فَتَصَدَّقُوا عَلَى شَيْخٍ غَرِيبٍ، نَأَى عَنْهُ الْأَهْلُ وَالْحَبِيبُ، وَاشْتَرُوا بِدِرْهَمٍ فَانٍ ثَوَابًا بَاقِيًا، يَكُونُ لَكُمْ غَدًا وَاقِيًا».
فَمَا أَتَمَّ مَقَالَهُ، حَتَّى بَكَى السَّامِعُونَ لِحَالِهِ، وَانْهَالَتِ الدَّرَاهِمُ عَلَى أَذْيَالِهِ.
بَلْ إِنَّ الصَّيْرَفِيَّ، وَهُوَ لَا يَجُودُ بِحَبَّةٍ، أَخْرَجَ لَهُ دِينَارًا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ.
فَجَمَعَهَا فِي كُمِّهِ، وَانْصَرَفَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا مِنْ ضَعْفِ عَظْمِهِ.
فَتَبِعْتُهُ لِأَعْرِفَ خَبَرَهُ، وَأَقْفُوَ أَثَرَهُ، حَتَّى إِذَا خَلَا مِنَ النَّاسِ الطَّرِيقُ، رَمَى الْعَصَا وَمَشَى مِشْيَةَ الْفَتَى الرَّشِيقِ.
ثُمَّ عَرَّجَ عَلَى حَلْوَانِيٍّ فَابْتَاعَ مِنْهُ فَالُوذَجًا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ يَلْتَهِمُهُ مُبْتَهِجًا.
فَعَجِبْتُ مِنْ صِحَّتِهِ بَعْدَ سَقَمِهِ، وَمِنْ ضَحِكِهِ بَعْدَ أَلَمِهِ.
فَدَنَوْتُ مِنْهُ وَقُلْتُ: «أَلَسْتَ الْوَاعِظَ الْمِسْكِينَ، الَّذِي أَبْكَى الْعَطَّارِينَ وَالْبَزَّازِينَ؟»
فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَقَالَ: «أَنَا أَبُو الْمَكَارِمِ الْحَلَبِيُّ، أَبِيعُ الْكَلَامَ، كَمَا تَبِيعُونَ الطَّعَامَ، فَلِكُلٍّ بِضَاعَةٌ، وَلِكُلِّ سُوقٍ صِنَاعَةٌ».
ثُمَّ قَالَ: «وَاللّٰهِ مَا كَذَبْتُ فِي مَقَالِي، فَإِنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ كَمَا قُلْتُ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسْتَظِلَّ بِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ».
فَقُلْتُ: «قَاتَلَكَ اللّٰهُ، فَمَا أَفْصَحَ لِسَانَكَ، وَأَقْبَحَ شَأْنَكَ!»
ثُمَّ تَرَكْتُهُ وَانْصَرَفْتُ، وَأَنَا لَا أَدْرِي أَأَعْجَبُ مِنْ فَصَاحَتِهِ، أَمْ مِنْ وَقَاحَتِهِ.