هَلْ نُفَكِّرُ بِاللُّغَةِ، أَمْ نُفَكِّرُ ثُمَّ نُلْبِسُ أَفْكَارَنَا ثَوْبَ اللُّغَةِ، كَمَا يُلْبِسُ الْخَيَّاطُ الْجَسَدَ ثَوْبًا فُصِّلَ عَلَى قَدِّهِ؟
سُؤَالٌ قَدِيمٌ قِدَمَ الْفَلْسَفَةِ، شَغَلَ عُلَمَاءَ الْعَرَبِ كَمَا شَغَلَ الْيُونَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَعُلَمَاءَ اللِّسَانِ مِنْ بَعْدِهِمْ.
فَفِي أَوَائِلِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ لِلْهِجْرَةِ جَرَتْ بِبَغْدَادَ، فِي مَجْلِسِ الْوَزِيرِ ابْنِ الْفُرَاتِ، مُنَاظَرَةٌ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ النَّحْوِيِّ أَبِي سَعِيدٍ السِّيرَافِيِّ وَالْمَنْطِقِيِّ مَتَّى بْنِ يُونُسَ، رَوَاهَا أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ فِي كِتَابِ «الْإِمْتَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ».
فَزَعَمَ مَتَّى أَنَّ الْمَنْطِقَ آلَةٌ يُعْرَفُ بِهَا صَحِيحُ الْكَلَامِ مِنْ سَقِيمِهِ، وَأَنَّهُ وَاحِدٌ عِنْدَ الْأُمَمِ كُلِّهَا، لِأَنَّ الْعُقُولَ وَاحِدَةٌ.
فَرَدَّ عَلَيْهِ السِّيرَافِيُّ بِأَنَّ الْمَنْطِقَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ إِنَّمَا وَضَعَهُ رَجُلٌ مِنْ يُونَانَ عَلَى لُغَةِ أَهْلِهَا وَعَادَاتِهِمْ فِي الْكَلَامِ، فَكَيْفَ يُلْزِمُ بِهِ قَوْمًا لَهُمْ لُغَةٌ أُخْرَى، وَمَذَاهِبُ فِي الْبَيَانِ غَيْرُ مَذَاهِبِهِمْ؟
وَكَانَ السِّيرَافِيُّ، عَلَى حِدَّتِهِ فِي الْجَدَلِ، يَلْمَحُ حَقِيقَةً عَمِيقَةً: أَنَّ الْمَعَانِيَ لَا تَعِيشُ عَارِيَةً، وَأَنَّ كُلَّ لُغَةٍ تُقَسِّمُ الْعَالَمَ عَلَى طَرِيقَتِهَا.
وَقَدْ عَادَ هٰذَا السُّؤَالُ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ عَلَى أَلْسِنَةِ عُلَمَاءَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ اللُّغَةَ تَصُوغُ الْفِكْرَ صَوْغًا، وَأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَرَى مِنَ الْعَالَمِ إِلَّا مَا أَذِنَتْ لَهُ لُغَتُهُ أَنْ يَرَاهُ.
ثُمَّ جَاءَتِ التَّجَارِبُ فَخَفَّفَتْ مِنْ غُلُوِّ هٰذَا الْقَوْلِ دُونَ أَنْ تُبْطِلَهُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ النَّاسَ يُمَيِّزُونَ مِنَ الْأَلْوَانِ مَا لَيْسَ لَهُ اسْمٌ فِي لُغَاتِهِمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَسْمَاءُ تُعِينُهُمْ عَلَى التَّمْيِيزِ وَالتَّذَكُّرِ.
وَفِي بَعْضِ لُغَاتِ أُسْتُرَالِيَا لَا يَقُولُ الْمُتَكَلِّمُ «عَنْ يَمِينِي» وَ«عَنْ يَسَارِي»، بَلْ «إِلَى الشَّمَالِ» وَ«إِلَى الْجَنُوبِ»، فَتَرَاهُ يَعْرِفُ الْجِهَاتِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، كَأَنَّ فِي رَأْسِهِ بُوصِلَةً.
وَأَمَّا الْعَرَبِيَّةُ فَمِنْ أَعْجَبِ مَا فِيهَا أَنَّهَا تَرُدُّ الْكَلِمَاتِ إِلَى جُذُورٍ تَجْمَعُ شَتَاتَ الْمَعَانِي، فَالْكِتَابُ وَالْكَاتِبُ وَالْمَكْتَبَةُ وَالْكَتِيبَةُ أَهْلُ بَيْتٍ وَاحِدٍ، يَشْعُرُ الْعَرَبِيُّ بِقَرَابَتِهَا وَإِنْ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا.
بَلْ ذَهَبَ ابْنُ جِنِّي إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذٰلِكَ، فَزَعَمَ فِي كِتَابِ «الْخَصَائِصِ» أَنَّ الْأُصُولَ الثَّلَاثَةَ إِذَا قُلِّبَتْ عَلَى وُجُوهِهَا الْمُخْتَلِفَةِ بَقِيَ بَيْنَهَا مَعْنًى جَامِعٌ، وَسَمَّى ذٰلِكَ الِاشْتِقَاقَ الْأَكْبَرَ.
وَمَهْمَا يَكُنْ مِنْ أَمْرٍ، فَإِنَّ اللُّغَةَ لَيْسَتْ سِجْنًا لِلْعَقْلِ، وَلَا هِيَ ثَوْبٌ يُخْلَعُ وَيُلْبَسُ، وَإِنَّمَا هِيَ بَيْتٌ نَسْكُنُهُ، لَهُ نَوَافِذُ نُطِلُّ مِنْهَا عَلَى بُيُوتِ غَيْرِنَا.
وَلَوْ كَانَ الْفِكْرُ أَسِيرَ اللُّغَةِ أَسْرًا تَامًّا لَاسْتَحَالَتِ التَّرْجَمَةُ، وَلَمَا قَرَأَ الْعَرَبُ أَرِسْطُو بِلِسَانِهِمْ، وَلَا قَرَأَتْ أُورُبَّا ابْنَ رُشْدٍ بِلِسَانِهَا.