بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.
مِنْ عَبْدِ اللّٰهِ بْنِ يَحْيَى إِلَى أَخِيهِ وَصَفِيِّهِ أَبِي إِسْحَاقَ، أَطَالَ اللّٰهُ بَقَاءَهُ، وَأَدَامَ عِزَّهُ وَنَعْمَاءَهُ.
أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ وَصَلَنِي كِتَابُكَ، فَفَضَضْتُ خِتَامَهُ شَوْقًا، وَقَرَأْتُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَوَجَدْتُكَ تَعْتِبُ عَلَيَّ فِي طُولِ السُّكُوتِ، وَتَحْسَبُ أَنَّ الْبُعْدَ قَدْ أَنْسَانِي عَهْدَكَ، وَأَنَّ الْأَيَّامَ قَدْ غَيَّرَتْ وُدِّي.
وَمَعَاذَ اللّٰهِ أَنْ يَكُونَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ الْمَوَدَّةَ الَّتِي غَرَسْنَاهَا فِي أَيَّامِ الطَّلَبِ، وَسَقَيْنَاهَا بِمَاءِ الصِّدْقِ، لَا يُذْوِيهَا غِيَابٌ، وَلَا يَقْطَعُهَا تَرْكُ كِتَابٍ.
وَاعْلَمْ، أَعَزَّكَ اللّٰهُ، أَنَّهُ قَدْ قِيلَ: الْإِخْوَانُ ثَلَاثَةٌ: أَخٌ كَالْغِذَاءِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَأَخٌ كَالدَّوَاءِ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، وَأَخٌ كَالدَّاءِ لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ أَبَدًا.
وَأَنْتَ عِنْدِي مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، لَا أُطِيقُ عَنْكَ صَبْرًا وَإِنْ طَالَ سُكُوتِي، وَلَا أَرَى لِنَفْسِي دُونَكَ ذُخْرًا.
وَمَا سُكُوتِي إِلَّا مِنْ شُغْلٍ أَحَاطَ بِي إِحَاطَةَ السِّوَارِ بِالْمِعْصَمِ، وَهَمٍّ أَطْبَقَ عَلَيَّ إِطْبَاقَ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَكُنْتُ كُلَّمَا هَمَمْتُ بِالْكِتَابَةِ إِلَيْكَ صَرَفَنِي عَنْهَا صَارِفٌ، وَعَاقَنِي عَنْهَا عَائِقٌ.
وَلَيْسَ الصَّدِيقُ مَنْ يَعُدُّ عَلَيْكَ زَلَّاتِكَ، وَيُحْصِي غَفَلَاتِكَ، وَإِنَّمَا الصَّدِيقُ مَنْ إِذَا غِبْتَ حَفِظَكَ، وَإِذَا حَضَرْتَ أَكْرَمَكَ، وَإِذَا زَلَلْتَ أَقَالَ عَثْرَتَكَ، وَإِذَا أَسَأْتَ بِهِ الظَّنَّ أَحْسَنَ بِكَ الظَّنَّ.
وَقَدْ قِيلَ: الصَّدِيقُ نَفْسٌ ثَانِيَةٌ، فَهُوَ أَنْتَ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُكَ.
فَإِنْ كَانَ ذٰلِكَ كَذٰلِكَ، فَكَيْفَ يَعْتِبُ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ يَظُنُّ بِهَا الْجَفَاءَ؟
وَقَدْ صَدَقَ مَنْ قَالَ: «رُبَّ أَخٍ لَكَ لَمْ تَلِدْهُ أُمُّكَ»، وَأَنْتَ ذٰلِكَ الْأَخُ، أَجِدُ عِنْدَكَ مِنَ الْأُنْسِ وَالثِّقَةِ مَا لَا أَجِدُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ ذَوِي رَحِمِي.
وَإِنِّي لَأَذْكُرُ لَيَالِيَنَا بِبَغْدَادَ، وَنَحْنُ نَتَدَارَسُ الْكُتُبَ عَلَى ضَوْءِ السِّرَاجِ، وَنَتَنَازَعُ فِي الْمَسْأَلَةِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ نَفْتَرِقُ وَكُلٌّ مِنَّا رَاضٍ عَنْ صَاحِبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عَنْ قَوْلِهِ.
فَتِلْكَ أَيَّامٌ لَا يَمْحُوهَا الْبُعْدُ، وَلَا يَنْقُضُ الدَّهْرُ عُرَاهَا، وَإِنَّمَا الْبُعْدُ بُعْدُ الْقُلُوبِ لَا بُعْدُ الدِّيَارِ.
فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِخَبَرِكَ، وَأَخْبِرْنِي عَنْ حَالِكَ وَحَالِ مَنْ قِبَلَكَ، وَلَا تَجْعَلْ سُكُوتِي ذَرِيعَةً لِسُكُوتِكَ، فَإِنِّي أَعِدُكَ أَلَّا يَمُرَّ بِي شَهْرٌ إِلَّا وَكِتَابِي بَيْنَ يَدَيْكَ.
حَفِظَكَ اللّٰهُ وَرَعَاكَ، وَجَمَعَ بَيْنَنَا عَلَى خَيْرٍ، وَأَقْرِئِ الْإِخْوَانَ مِنِّي السَّلَامَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّٰهِ وَبَرَكَاتُهُ.