مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْقَصِيدَةَ عَظِيمَةً؟
سُؤَالٌ شَغَلَ نُقَّادَ الْعَرَبِ قُرُونًا، فَتَفَرَّقَتْ بِهِمُ الْمَذَاهِبُ، وَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا يَصْدُرُونَ عَنْ ذَوْقٍ رَبَّاهُ طُولُ الْإِنْشَادِ وَالْحِفْظِ.
فَقَدْ رَتَّبَ ابْنُ سَلَّامٍ الْجُمَحِيُّ فُحُولَ الشُّعَرَاءِ فِي طَبَقَاتٍ، كَمَا تُرَتَّبُ الْخَيْلُ فِي الْحَلْبَةِ، فَقَدَّمَ مِنْهُمْ وَأَخَّرَ بِحَسَبِ جَوْدَةِ الشِّعْرِ وَكَثْرَتِهِ وَتَعَدُّدِ أَغْرَاضِهِ.
وَأَمَّا الْجَاحِظُ فَرَأَى أَنَّ الْمَعَانِيَ لَيْسَتْ مَوْضِعَ الْفَضْلِ، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الْمَشْهُورَةَ: «الْمَعَانِي مَطْرُوحَةٌ فِي الطَّرِيقِ، يَعْرِفُهَا الْعَجَمِيُّ وَالْعَرَبِيُّ، وَالْبَدَوِيُّ وَالْقَرَوِيُّ وَالْمَدَنِيُّ».
ثُمَّ جَعَلَ الشَّأْنَ فِي إِقَامَةِ الْوَزْنِ، وَتَخَيُّرِ اللَّفْظِ، وَسُهُولَةِ الْمَخْرَجِ، وَجَوْدَةِ السَّبْكِ، وَقَالَ: «فَإِنَّمَا الشِّعْرُ صِنَاعَةٌ، وَضَرْبٌ مِنَ النَّسْجِ، وَجِنْسٌ مِنَ التَّصْوِيرِ».
وَجَاءَ قُدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ فَحَدَّ الشِّعْرَ بِأَنَّهُ «قَوْلٌ مَوْزُونٌ مُقَفًّى يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى»، ثُمَّ أَخَذَ يَعُدُّ نُعُوتَهُ وَعُيُوبَهُ عَدَّ الْمُحَاسِبِ، كَأَنَّ الْجَمَالَ مِمَّا يُوزَنُ بِالْمِيزَانِ.
وَطَالَ الْخِلَافُ بَيْنَ أَنْصَارِ الطَّبْعِ وَأَنْصَارِ الصَّنْعَةِ، حَتَّى أَلَّفَ الْآمِدِيُّ كِتَابَهُ فِي الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ أَبِي تَمَّامٍ وَالْبُحْتُرِيِّ، فَرَأَى فِي الْبُحْتُرِيِّ شَاعِرًا مَطْبُوعًا يَجْرِي عَلَى سُنَنِ الْأَوَائِلِ، وَفِي أَبِي تَمَّامٍ صَانِعًا يُغْرِبُ فِي الِاسْتِعَارَةِ، وَيُكْثِرُ مِنَ الْبَدِيعِ حَتَّى يَخْفَى الْمَعْنَى.
وَجَمَعَ الْمَرْزُوقِيُّ بَعْدَ ذٰلِكَ مَا سَمَّاهُ «عَمُودَ الشِّعْرِ»، أَيِ الْأُصُولَ الَّتِي سَارَ عَلَيْهَا الْقُدَمَاءُ، وَمِنْهَا: شَرَفُ الْمَعْنَى وَصِحَّتُهُ، وَجَزَالَةُ اللَّفْظِ وَاسْتِقَامَتُهُ، وَالْإِصَابَةُ فِي الْوَصْفِ، وَالْمُقَارَبَةُ فِي التَّشْبِيهِ.
غَيْرَ أَنَّ أَعْمَقَ مَا قِيلَ فِي هٰذَا الْبَابِ جَاءَ مِنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيِّ، الَّذِي أَبَى أَنْ يَجْعَلَ الْفَضْلَ لِلَّفْظِ وَحْدَهُ أَوْ لِلْمَعْنَى وَحْدَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى «النَّظْمِ»، أَيْ إِلَى تَعْلِيقِ الْكَلِمِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مَعَانِي النَّحْوِ.
فَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُ لَا تَحْسُنُ فِي نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهَا، وَقَدْ تَرُوقُكَ فِي بَيْتٍ، ثُمَّ تَثْقُلُ عَلَيْكَ هِيَ نَفْسُهَا فِي بَيْتٍ آخَرَ.
وَبِذٰلِكَ نَقَلَ النَّقْدَ مِنْ عَدِّ الْمَحَاسِنِ إِلَى فَهْمِ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الْكَلِمَاتِ.
وَبَقِيَتْ بَيْنَ النُّقَّادِ مَسْأَلَةُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: «أَعْذَبُ الشِّعْرِ أَكْذَبُهُ»، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ أَحْسَنَهُ أَصْدَقَهُ، وَلَعَلَّ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي مَعْنَى الصِّدْقِ.
فَالشِّعْرُ الْعَظِيمُ، كَمَا يُفْهَمُ مِنْ مَجْمُوعِ أَقْوَالِهِمْ، مَا صَحَّ مَعْنَاهُ، وَشَرُفَ لَفْظُهُ، وَالْتَحَمَتْ أَجْزَاؤُهُ، ثُمَّ بَقِيَ فِيهِ بَعْدَ ذٰلِكَ شَيْءٌ لَا يُحَدُّ، يَعْرِفُهُ الذَّوْقُ، وَيَعْجِزُ عَنْهُ الْوَصْفُ.