يَقُولُ مَثَلٌ إِيطَالِيٌّ إِنَّ «الْمُتَرْجِمَ خَائِنٌ»، وَكَأَنَّ نَقْلَ الْكَلَامِ مِنْ لُغَةٍ إِلَى أُخْرَى لَا يَخْلُو مِنْ غَدْرٍ بِالْأَصْلِ.
وَقَدْ سَبَقَ الْجَاحِظُ هٰذَا الْمَثَلَ بِقُرُونٍ حِينَ قَرَّرَ فِي كِتَابِ «الْحَيَوَانِ» أَنَّ الشِّعْرَ «لَا يُسْتَطَاعُ أَنْ يُتَرْجَمَ»، لِأَنَّهُ إِذَا نُقِلَ تَقَطَّعَ نَظْمُهُ وَبَطَلَ وَزْنُهُ وَذَهَبَ حُسْنُهُ.
وَمَعَ ذٰلِكَ فَإِنَّ الْحَضَارَةَ الَّتِي عَاشَ فِيهَا الْجَاحِظُ نَفْسُهُ قَامَتْ، فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْهَا، عَلَى التَّرْجَمَةِ: فَقَدْ نَقَلَ حُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ وَأَمْثَالُهُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ كُتُبَ الْيُونَانِ فِي الطِّبِّ وَالْفَلْسَفَةِ، فَلَمْ يَفْقِدِ الْعَرَبُ بِذٰلِكَ هُوِيَّتَهُمْ، بَلْ خَرَجُوا مِنَ التَّجْرِبَةِ بِعِلْمٍ جَدِيدٍ كُتِبَ بِلُغَتِهِمْ وَحَمَلَ طَابَعَهُمْ.
فَمَا الْعَلَاقَةُ إِذَنْ بَيْنَ التَّرْجَمَةِ وَالْهُوِيَّةِ؟
يَخْشَى بَعْضُ النَّاسِ أَنْ تَكُونَ التَّرْجَمَةُ بَابًا يَدْخُلُ مِنْهُ الْغَرِيبُ فَيُزَاحِمُ أَهْلَ الدَّارِ، وَأَنْ تَمْتَلِئَ اللُّغَةُ بِأَلْفَاظٍ دَخِيلَةٍ وَأَسَالِيبَ لَا تُشْبِهُهَا حَتَّى تَنْسَى صَوْتَهَا.
وَهٰذَا الْخَوْفُ لَيْسَ بِلَا أَسَاسٍ، فَمَنْ يَقْرَأُ الصُّحُفَ الْيَوْمَ يَلْحَظُ تَرَاكِيبَ مَنْقُولَةً حَرْفِيًّا عَنِ اللُّغَاتِ الْأُورُوبِّيَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: «لَعِبَ دَوْرًا»، وَقَوْلِهِمْ: «أَعْطَى الضَّوْءَ الْأَخْضَرَ»، وَقَدْ صَارَتْ جُزْءًا مِنْ لُغَتِنَا دُونَ أَنْ نَنْتَبِهَ.
لٰكِنَّ اللُّغَاتِ الْحَيَّةَ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا قِلَاعًا مُغْلَقَةً؛ فَالْعَرَبِيَّةُ نَفْسُهَا أَخَذَتْ كَلِمَةَ الْفَلْسَفَةِ مِنَ الْيُونَانِيَّةِ، وَكَلِمَةَ الدِّيوَانِ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ، وَأَعْطَتْ لُغَاتِ أُورُوبَّا أَلْفَاظًا كَالْجَبْرِ وَالسُّكَّرِ وَالْقُطْنِ، فَلَمْ يُنْقِصْ ذٰلِكَ مِنْ عُرُوبَتِهَا شَيْئًا.
إِنَّ الْهُوِيَّةَ الَّتِي تَخَافُ مِنَ التَّرْجَمَةِ هُوِيَّةٌ قَلِقَةٌ تَظُنُّ نَفْسَهَا وِعَاءً يُخْشَى عَلَيْهِ الِانْكِسَارُ، أَمَّا الْهُوِيَّةُ الْوَاثِقَةُ فَتُشْبِهُ النَّهْرَ: تَصُبُّ فِيهِ رَوَافِدُ كَثِيرَةٌ، وَيَبْقَى مَعَ ذٰلِكَ نَهْرًا وَاحِدًا لَهُ اسْمُهُ وَمَجْرَاهُ.
بَلْ إِنَّ التَّرْجَمَةَ تَكْشِفُ لَنَا هُوِيَّتَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تُهَدِّدُهَا، فَحِينَ يَبْحَثُ الْمُتَرْجِمُ عَنْ مُقَابِلٍ عَرَبِيٍّ لِكَلِمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ، يُضْطَرُّ إِلَى أَنْ يَسْأَلَ: مَا الَّذِي تَسْتَطِيعُهُ لُغَتِي، وَمَا الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُهُ، وَمَا الَّذِي تَقُولُهُ بِطَرِيقَتِهَا الْخَاصَّةِ؟
وَهٰكَذَا تَصِيرُ التَّرْجَمَةُ مِرْآةً نَرَى فِيهَا أَنْفُسَنَا مِنْ خِلَالِ الْآخَرِ.
أَمَّا الْخَطَرُ الْحَقِيقِيُّ فَلَيْسَ فِي أَنْ نُتَرْجِمَ كَثِيرًا، بَلْ فِي أَنْ نُتَرْجِمَ بِلَا تَفْكِيرٍ، فَنَنْقُلَ الْأَلْفَاظَ وَنَنْسَى الْمَعَانِيَ، أَوْ أَنْ نَكُفَّ عَنِ الْكِتَابَةِ وَالتَّفْكِيرِ بِلُغَتِنَا، فَلَا يَبْقَى لَنَا إِلَّا أَنْ نُرَدِّدَ مَا يَقُولُهُ غَيْرُنَا.
فَالْخِيَانَةُ الَّتِي يَتَحَدَّثُ عَنْهَا الْمَثَلُ لَيْسَتْ قَدَرًا مَحْتُومًا، وَالْمُتَرْجِمُ الْأَمِينُ لَيْسَ خَائِنًا لِأَحَدٍ، بَلْ هُوَ وَفِيٌّ لِلُغَتَيْنِ مَعًا.