مُنْذُ الْقُرُونِ الْأُولَى لِلْإِسْلَامِ شَغَلَ الْمُفَكِّرِينَ سُؤَالٌ لَمْ يَهْدَأْ: إِذَا قَالَ الْعَقْلُ شَيْئًا، وَبَدَا أَنَّ النَّصَّ الْمُنَزَّلَ يَقُولُ شَيْئًا آخَرَ، فَأَيُّهُمَا نُقَدِّمُ؟
وَقَدِ ازْدَادَ هٰذَا السُّؤَالُ حِدَّةً حِينَ تُرْجِمَتِ الْفَلْسَفَةُ الْيُونَانِيَّةُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعَصْرِ الْعَبَّاسِيِّ.
فَالْمُعْتَزِلَةُ رَأَوْا أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ حُسْنَ الْأَشْيَاءِ وَقُبْحَهَا قَبْلَ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ، فَالْعَدْلُ حَسَنٌ وَالظُّلْمُ قَبِيحٌ فِي ذَاتِهِمَا، وَمَا الشَّرْعُ إِلَّا مُؤَكِّدٌ لِمَا يَعْرِفُهُ الْعَقْلُ وَمُفَصِّلٌ لَهُ.
أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَخَالَفُوهُمْ، وَرَأَوْا أَنَّ الْحَسَنَ مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَالْقَبِيحَ مَا قَبَّحَهُ، وَأَنَّ الْعَقْلَ أَدَاةٌ لِفَهْمِ النَّصِّ، لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ.
وَجَاءَ الْفَلَاسِفَةُ، كَالْكِنْدِيِّ وَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا، فَحَاوَلُوا أَنْ يُوَفِّقُوا بَيْنَ مَا وَرِثُوهُ عَنْ أَرِسْطُو وَأَفْلَاطُونَ وَمَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ وَالْفَيْلَسُوفَ يَبْلُغَانِ الْحَقِيقَةَ نَفْسَهَا: الْأَوَّلُ بِالْوَحْيِ وَالْخَيَالِ، وَالثَّانِي بِالْبُرْهَانِ.
غَيْرَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ رَأَى فِي بَعْضِ آرَائِهِمْ خُرُوجًا عَلَى الدِّينِ، فَأَلَّفَ «تَهَافُتَ الْفَلَاسِفَةِ»، وَكَفَّرَهُمْ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَقَوْلِهِمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ، وَإِنْكَارِهِمْ بَعْثَ الْأَجْسَادِ.
وَمِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نُلَاحِظَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ لَمْ يُعَادِ الْعَقْلَ نَفْسَهُ، فَقَدْ قَبِلَ الْمَنْطِقَ وَدَافَعَ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ وَحْدَهُ قَادِرًا عَلَى بُلُوغِ الْيَقِينِ فِي أُمُورِ الْغَيْبِ.
وَبَعْدَ نَحْوِ قَرْنٍ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَنْدَلُسِ، وَكَتَبَ فِي «فَصْلِ الْمَقَالِ» عِبَارَتَهُ الشَّهِيرَةَ: «الْحَقُّ لَا يُضَادُّ الْحَقَّ، بَلْ يُوَافِقُهُ وَيَشْهَدُ لَهُ».
فَإِذَا بَدَا ظَاهِرُ النَّصِّ مُخَالِفًا لِلْبُرْهَانِ، وَجَبَ أَنْ يُؤَوَّلَ تَأْوِيلًا يَفْهَمُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ، دُونَ أَنْ يُشْغَلَ بِهِ عَامَّةُ النَّاسِ.
ثُمَّ جَاءَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ بَعْدَ ذٰلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ، فَأَلَّفَ كِتَابًا ضَخْمًا عُنْوَانُهُ «دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ»، ذَهَبَ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَ النَّقْلَ الصَّحِيحَ، وَأَنَّ مَا يُظَنُّ تَعَارُضًا بَيْنَهُمَا إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ خَطَأٍ فِي أَحَدِهِمَا.
وَهٰكَذَا نَرَى أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يَكُنْ فِي الْغَالِبِ بَيْنَ أَنْصَارِ الْعَقْلِ وَأَعْدَائِهِ، بَلْ بَيْنَ تَصَوُّرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِلْعَقْلِ نَفْسِهِ: مَا حُدُودُهُ؟ وَمَتَى يَتَكَلَّمُ؟ وَمَتَى يَجِبُ أَنْ يَصْمُتَ؟
وَلَعَلَّ أَثْمَنَ مَا تَرَكَهُ هٰذَا الْجَدَلُ أَنَّهُ عَلَّمَ أَجْيَالًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُفَكِّرُوا فِي إِيمَانِهِمْ، وَأَنْ يُحَاوِرُوا خُصُومَهُمْ بِالْحُجَّةِ، وَهُوَ دَرْسٌ مَا زِلْنَا فِي حَاجَةٍ إِلَيْهِ.