حُكِيَ أَنَّهُ كَانَ بِالْبَصْرَةِ تَاجِرٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْحَسَنِ، فَضَاقَتْ بِهِ الْحَالُ، فَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ يَطْلُبُ الرِّزْقَ فِي الْبِلَادِ.
فَوَدَّعَ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ حَامِلًا، وَأَوْصَاهَا بِمَا فِي بَطْنِهَا خَيْرًا، ثُمَّ خَرَجَ مَعَ قَافِلَةٍ إِلَى الشَّامِ.
فَغَابَ عَنْ أَهْلِهِ عِشْرِينَ سَنَةً يَتَّجِرُ وَيَرْبَحُ، حَتَّى اجْتَمَعَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَحَنَّ إِلَى وَطَنِهِ وَعَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ.
وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَجَهَّزُ لِلسَّفَرِ، مَرَّ بِشَيْخٍ جَالِسٍ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يُنَادِي: «مَنْ يَشْتَرِي الْحِكْمَةَ؟ كُلُّ نَصِيحَةٍ بِمِئَةِ دِينَارٍ!»
فَعَجِبَ أَبُو الْحَسَنِ مِنْ غَلَاءِ الثَّمَنِ، ثُمَّ قَالَ فِي نَفْسِهِ: «مَا جَمَعْتُ هٰذَا الْمَالَ إِلَّا بِالْحِكْمَةِ، فَلَعَلَّ فِي كَلَامِ الشَّيْخِ خَيْرًا»، فَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَلَاثَمِئَةِ دِينَارٍ.
فَقَالَ الشَّيْخُ: «لَا تَتْرُكِ الطَّرِيقَ الْمَعْرُوفَ إِلَى طَرِيقٍ تَجْهَلُهُ، وَلَا تَسْأَلْ عَمَّا لَا يَعْنِيكَ، وَإِذَا غَضِبْتَ لَيْلًا فَلَا تَعْمَلْ بِغَضَبِكَ حَتَّى تُصْبِحَ».
فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي نَفْسِهِ: «لَقَدْ غَبَنَنِي هٰذَا الشَّيْخُ»، وَلٰكِنَّهُ حَفِظَ الْوَصَايَا وَمَضَى.
فَلَمَّا سَارَتِ الْقَافِلَةُ أَيَّامًا، قَالَ بَعْضُ رِفَاقِهِ: «هٰهُنَا طَرِيقٌ مُخْتَصَرٌ يُوَفِّرُ عَلَيْنَا يَوْمَيْنِ»، فَمَالَ إِلَيْهِ قَوْمٌ، وَتَذَكَّرَ أَبُو الْحَسَنِ الْوَصِيَّةَ الْأُولَى، فَلَزِمَ الطَّرِيقَ الْمَعْرُوفَ.
ثُمَّ بَلَغَهُ بَعْدَ ذٰلِكَ أَنَّ اللُّصُوصَ خَرَجُوا عَلَى أُولٰئِكَ الْقَوْمِ فَسَلَبُوهُمْ مَا مَعَهُمْ.
وَنَزَلَ فِي طَرِيقِهِ ضَيْفًا عَلَى رَجُلٍ أَكْرَمَهُ، فَرَأَى فِي دَارِهِ أُمُورًا عَجِيبَةً هَمَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ الثَّانِيَةَ فَأَمْسَكَ.
فَلَمَّا أَرَادَ الرَّحِيلَ أَهْدَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ صُرَّةً مِنَ الذَّهَبِ وَقَالَ: «نَزَلَ بِي قَبْلَكَ ضُيُوفٌ كَثِيرُونَ، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَأَلَ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ، فَأَخْرَجْتُهُ مِنْ دَارِي بِلَا شَيْءٍ».
وَوَصَلَ أَبُو الْحَسَنِ إِلَى الْبَصْرَةِ لَيْلًا، فَدَخَلَ دَارَهُ خُفْيَةً لِيُفَاجِئَ أَهْلَهُ، فَرَأَى عَلَى ضَوْءِ السِّرَاجِ شَابًّا يُقَبِّلُ رَأْسَ امْرَأَتِهِ.
فَثَارَ الدَّمُ فِي عُرُوقِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى سَيْفِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْوَصِيَّةَ الثَّالِثَةَ، فَكَظَمَ غَيْظَهُ، وَبَاتَ لَيْلَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَذُوقُ النَّوْمَ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ عَادَ إِلَى دَارِهِ، فَسَمِعَ امْرَأَتَهُ تَقُولُ لِلشَّابِّ: «قُمْ يَا حَسَنُ، فَقَدْ طَالَ غِيَابُ أَبِيكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ يَرُدُّهُ إِلَيْنَا عَنْ قَرِيبٍ».
فَعَلِمَ أَنَّهُ ابْنُهُ الَّذِي تَرَكَهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا بَاكِيًا، وَحَمِدَ اللَّهَ الَّذِي حَبَسَ يَدَهُ عَنْ دَمٍ بَرِيءٍ.
ثُمَّ قَالَ: «وَاللَّهِ مَا رَبِحْتُ فِي تِجَارَةٍ قَطُّ كَمَا رَبِحْتُ فِي تِلْكَ النَّصَائِحِ الثَّلَاثِ، وَلَوْ دَفَعْتُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَالِي كُلَّهُ لَكَانَ ثَمَنًا قَلِيلًا».