وُلِدَ أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رُشْدٍ فِي قُرْطُبَةَ سَنَةَ ١١٢٦، فِي أُسْرَةٍ عَرِيقَةٍ فِي الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ، فَقَدْ كَانَ جَدُّهُ قَاضِيَ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَدِينَةِ وَفَقِيهًا مَالِكِيًّا مَشْهُورًا.
دَرَسَ الْفِقْهَ وَالطِّبَّ وَالْفَلْسَفَةَ، وَتَوَلَّى الْقَضَاءَ فِي إِشْبِيلِيَةَ ثُمَّ فِي قُرْطُبَةَ، وَصَارَ طَبِيبًا لِلْخَلِيفَةِ الْمُوَحِّدِيِّ فِي مُرَّاكُشَ.
وَتَرْوِي الْمَصَادِرُ أَنَّ الْفَيْلَسُوفَ ابْنَ طُفَيْلٍ قَدَّمَهُ إِلَى الْخَلِيفَةِ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ، فَسَأَلَهُ الْخَلِيفَةُ فِي أَوَّلِ لِقَاءٍ عَنْ رَأْيِ الْفَلَاسِفَةِ فِي السَّمَاءِ: أَقَدِيمَةٌ هِيَ أَمْ حَادِثَةٌ؟
فَخَافَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَنْكَرَ أَنَّهُ يَشْتَغِلُ بِالْفَلْسَفَةِ، حَتَّى رَأَى الْخَلِيفَةَ نَفْسَهُ يَخُوضُ فِي الْمَسْأَلَةِ خَوْضَ الْعَارِفِ، فَاطْمَأَنَّ وَتَكَلَّمَ.
وَكَانَ الْخَلِيفَةُ يَشْكُو غُمُوضَ كُتُبِ أَرِسْطُو فِي تَرْجَمَاتِهَا الْعَرَبِيَّةِ، فَأَشَارَ ابْنُ طُفَيْلٍ عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ يَتَصَدَّى لِشَرْحِهَا.
فَانْصَرَفَ إِلَى هٰذَا الْعَمَلِ عُقُودًا، وَكَتَبَ عَلَى أَكْثَرِ كُتُبِ أَرِسْطُو شُرُوحًا عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: جَوَامِعَ مُخْتَصَرَةً، وَتَلَاخِيصَ مُتَوَسِّطَةً، وَشُرُوحًا كَبِيرَةً يُورِدُ فِيهَا النَّصَّ فِقْرَةً فِقْرَةً ثُمَّ يُفَسِّرُهُ.
وَكَانَ يَرَى أَنَّ أَرِسْطُو بَلَغَ غَايَةَ مَا يَبْلُغُهُ الْعَقْلُ الْإِنْسَانِيُّ، فَجَعَلَ هَمَّهُ أَنْ يُخَلِّصَ فِكْرَهُ مِمَّا عَلِقَ بِهِ مِنْ تَأْوِيلَاتِ الشُّرَّاحِ السَّابِقِينَ، وَمِنْهُمُ ابْنُ سِينَا.
وَلَمْ تَمْنَعْهُ الْفَلْسَفَةُ مِنَ التَّأْلِيفِ فِي غَيْرِهَا، فَلَهُ فِي الطِّبِّ كِتَابُ «الْكُلِّيَّاتِ»، وَفِي الْفِقْهِ كِتَابُ «بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ».
وَلَمْ يَكُنْ يَرَى تَعَارُضًا بَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَالشَّرِيعَةِ، فَفِي كِتَابِهِ «فَصْلِ الْمَقَالِ» ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الشَّرْعَ نَفْسَهُ يَدْعُو إِلَى النَّظَرِ الْعَقْلِيِّ فِي الْمَوْجُودَاتِ، وَأَنَّ مَا يَبْدُو مِنْ خِلَافٍ بَيْنَهُمَا يُحَلُّ بِالتَّأْوِيلِ.
وَحِينَ هَاجَمَ الْغَزَالِيُّ الْفَلَاسِفَةَ فِي كِتَابِهِ «تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ»، رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ عَامًا بِكِتَابٍ سَمَّاهُ «تَهَافُتَ التَّهَافُتِ».
غَيْرَ أَنَّ الرِّيَاحَ تَغَيَّرَتْ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ؛ فَقَدْ غَضِبَ عَلَيْهِ الْخَلِيفَةُ الْمَنْصُورُ، فَأُحْرِقَتْ بَعْضُ كُتُبِهِ، وَنُفِيَ إِلَى أَلِيسَانَةَ قُرْبَ قُرْطُبَةَ، ثُمَّ عُفِيَ عَنْهُ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ فِي مُرَّاكُشَ سَنَةَ ١١٩٨.
وَمِنَ الْمُفَارَقَاتِ أَنَّ أَثَرَهُ فِي أُورُوبَّا كَانَ أَعْمَقَ مِنْ أَثَرِهِ فِي بِلَادِهِ، إِذْ تُرْجِمَتْ شُرُوحُهُ إِلَى الْعِبْرِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ، وَصَارَ يُعْرَفُ عِنْدَ عُلَمَائِهَا بِلَقَبِ «الشَّارِحِ»، حَتَّى إِنَّ دَانْتِي ذَكَرَهُ فِي «الْكُومِيدْيَا الْإِلٰهِيَّةِ» بَيْنَ كِبَارِ الْحُكَمَاءِ.
وَهٰكَذَا صَارَ هٰذَا الْقَاضِي الْأَنْدَلُسِيُّ جِسْرًا مِنَ الْجُسُورِ الَّتِي عَبَرَتْ عَلَيْهَا فَلْسَفَةُ أَرِسْطُو إِلَى أُورُوبَّا اللَّاتِينِيَّةِ.