لِمَاذَا تَقُومُ الدُّوَلُ ثُمَّ تَسْقُطُ؟
هٰذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي شَغَلَ عَبْدَ الرَّحْمٰنِ بْنَ خَلْدُونَ، الْمَوْلُودَ فِي تُونِسَ سَنَةَ ١٣٣٢ وَالْمُتَوَفَّى فِي الْقَاهِرَةِ سَنَةَ ١٤٠٦، وَقَدْ عَاشَ حَيَاةً مُضْطَرِبَةً تَنَقَّلَ فِيهَا بَيْنَ قُصُورِ الْحُكَّامِ فِي الْمَغْرِبِ وَالْأَنْدَلُسِ وَمِصْرَ، فَرَأَى بِعَيْنِهِ دُوَلًا تَصْعَدُ وَأُخْرَى تَنْهَارُ.
وَحِينَ اعْتَزَلَ السِّيَاسَةَ نَحْوَ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ فِي قَلْعَةِ ابْنِ سَلَامَةَ، فِي الْجَزَائِرِ الْيَوْمَ، كَتَبَ «الْمُقَدِّمَةَ»، وَهِيَ مَدْخَلٌ إِلَى تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ أَرَادَ فِيهِ أَنْ يَفْهَمَ أَحْدَاثَ التَّارِيخِ لَا أَنْ يَرْوِيَهَا فَحَسْبُ.
وَقَدْ سَمَّى هٰذَا الْبَحْثَ «عِلْمَ الْعُمْرَانِ»، أَيْ عِلْمَ الِاجْتِمَاعِ الْبَشَرِيِّ وَأَحْوَالِهِ.
وَمِفْتَاحُ هٰذَا الْعِلْمِ عِنْدَهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ «الْعَصَبِيَّةُ»، أَيِ الرَّابِطَةُ الَّتِي تَجْمَعُ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ بِالنَّسَبِ أَوِ الْحِلْفِ، فَيُدَافِعُ أَفْرَادُهَا بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَطْلُبُونَ الْغَلَبَةَ مَعًا.
وَيَرَى ابْنُ خَلْدُونَ أَنَّ هٰذِهِ الرَّابِطَةَ أَقْوَى مَا تَكُونُ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، لِأَنَّ خُشُونَةَ الْعَيْشِ وَالْحَاجَةَ الدَّائِمَةَ إِلَى الْحِمَايَةِ تَشُدَّانِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ.
فَإِذَا اشْتَدَّتْ عَصَبِيَّةُ قَوْمٍ طَمَحُوا إِلَى الْمُلْكِ، فَانْتَزَعُوهُ مِنْ أَهْلِ الْمُدُنِ الَّذِينَ أَضْعَفَتْهُمُ الرَّاحَةُ، وَأَقَامُوا دَوْلَةً جَدِيدَةً.
غَيْرَ أَنَّ النَّصْرَ يَحْمِلُ فِي ذَاتِهِ بُذُورَ الْهَزِيمَةِ.
فَالْجِيلُ الْأَوَّلُ يَحْتَفِظُ بِخُشُونَةِ الْبَادِيَةِ وَشَجَاعَتِهَا، وَالْجِيلُ الثَّانِي يَنْتَقِلُ إِلَى رَفَاهِيَةِ الْحَضَرِ فَتَضْعُفُ فِيهِ الْعَصَبِيَّةُ وَلَا تَزُولُ، أَمَّا الْجِيلُ الثَّالِثُ فَيَنْشَأُ فِي التَّرَفِ، وَيَنْسَى تِلْكَ الْخُشُونَةَ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، فَيَعْجِزُ عَنْ حِمَايَةِ مَا وَرِثَهُ.
وَلِذٰلِكَ رَأَى أَنَّ عُمْرَ الدَّوْلَةِ لَا يَعْدُو فِي الْغَالِبِ ثَلَاثَةَ أَجْيَالٍ، أَيْ نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً.
وَمِنْ مُلَاحَظَاتِهِ النَّافِذَةِ أَيْضًا أَنَّ «الْمَغْلُوبَ مُولَعٌ أَبَدًا بِالِاقْتِدَاءِ بِالْغَالِبِ» فِي لِبَاسِهِ وَعَادَاتِهِ، لِأَنَّ النَّفْسَ تَعْتَقِدُ الْكَمَالَ فِيمَنْ غَلَبَهَا.
وَلَيْسَتْ قِيمَةُ نَظَرِيَّتِهِ فِي أَرْقَامِهَا، فَالتَّارِيخُ لَا يَخْضَعُ لِحِسَابٍ دَقِيقٍ، بَلْ فِي الْمَنْهَجِ الَّذِي تُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ: أَنْ نَبْحَثَ وَرَاءَ الْأَحْدَاثِ عَنِ الْأَسْبَابِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تُحَرِّكُهَا، وَأَنْ نَمْتَحِنَ الْأَخْبَارَ بِعُقُولِنَا قَبْلَ أَنْ نُصَدِّقَهَا.
فَقَدْ عَابَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ أَنَّهُمْ نَقَلُوا أَخْبَارًا مُسْتَحِيلَةً دُونَ أَنْ يَسْأَلُوا: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ هٰذَا فِي طَبِيعَةِ الْعُمْرَانِ؟
وَمَا زَالَتْ فِكْرَتُهُ الْكُبْرَى جَدِيرَةً بِالتَّأَمُّلِ: فَالرَّخَاءُ الَّذِي تَسْعَى إِلَيْهِ الْجَمَاعَاتُ قَدْ يُذِيبُ الرَّوَابِطَ الَّتِي أَوْصَلَتْهَا إِلَيْهِ، وَأَخْطَرُ مَا يُهَدِّدُ الْأُمَمَ لَيْسَ عَدُوًّا عَلَى أَبْوَابِهَا، وَإِنَّمَا نِسْيَانُهَا لِمَا جَمَعَهَا فِي الْبِدَايَةِ.