حِينَ تَغِيبُ الشَّمْسُ لَا تَنَامُ الْمَدِينَةُ، بَلْ تَخْلَعُ وَجْهَهَا النَّهَارِيَّ وَتَلْبَسُ وَجْهًا آخَرَ، أَكْثَرَ هُدُوءًا وَأَشَدَّ غُمُوضًا.
تَخْفُتُ ضَجَّةُ السَّيَّارَاتِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَتَتَحَوَّلُ الْأَبْوَاقُ الْغَاضِبَةُ إِلَى هَمْهَمَةٍ بَعِيدَةٍ تُشْبِهُ أَنْفَاسَ نَائِمٍ ثَقِيلٍ.
وَتُضَاءُ النَّوَافِذُ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، فَإِذَا الْعِمَارَاتُ الرَّمَادِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي النَّهَارِ صَمَّاءَ قَدْ صَارَتْ كُتُبًا مَفْتُوحَةً، فِي كُلِّ نَافِذَةٍ مِنْهَا صَفْحَةٌ مِنْ حِكَايَةٍ لَا نَعْرِفُ أَوَّلَهَا وَلَا آخِرَهَا.
هُنَا امْرَأَةٌ تُحَرِّكُ قِدْرًا عَلَى النَّارِ، وَهُنَاكَ طَالِبٌ مُنْحَنٍ عَلَى كُتُبِهِ، وَفِي الطَّابِقِ الْأَعْلَى شَيْخٌ يَجْلِسُ وَحِيدًا أَمَامَ تِلْفَازٍ لَا يُشَاهِدُهُ.
وَفِي الشَّوَارِعِ الْخَلْفِيَّةِ يَخْرُجُ أَهْلُ اللَّيْلِ: الْخَبَّازُ الَّذِي يَبْدَأُ عَمَلَهُ حِينَ يَنْتَهِي عَمَلُ النَّاسِ، وَعَامِلُ النَّظَافَةِ الَّذِي يَمْحُو آثَارَ يَوْمٍ كَامِلٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَيْقِظَ أَصْحَابُهُ، وَسَائِقُ سَيَّارَةِ الْأُجْرَةِ الَّذِي يَعْرِفُ مِنْ أَسْرَارِ الْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُهُ حُكَّامُهَا.
أَمَّا الْمَقَاهِي فَتَبْقَى آخِرَ مَا يُطْفِئُ أَنْوَارَهُ، يَتَصَاعَدُ مِنْهَا بُخَارُ الشَّايِ وَصَوْتُ النَّرْدِ وَضَحِكَاتُ رِجَالٍ يُؤَجِّلُونَ الْعَوْدَةَ إِلَى بُيُوتِهِمْ.
وَبَيْنَ حِينٍ وَآخَرَ تَشُقُّ صَفَّارَةُ إِسْعَافٍ هٰذَا السُّكُونَ، فَتَتَذَكَّرُ أَنَّ هُنَاكَ، فِي مَكَانٍ مَا، مَنْ يَسْهَرُ لِأَنَّهُ يَتَأَلَّمُ، لَا لِأَنَّهُ يَسْتَمْتِعُ بِاللَّيْلِ.
وَتَحْتَ الْجِسْرِ الْقَدِيمِ تَنْعَكِسُ الْأَضْوَاءُ عَلَى صَفْحَةِ النَّهْرِ، فَتَبْدُو الْمَدِينَةُ كَأَنَّهَا تَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهَا فِي مِرْآةٍ، وَتَسْأَلُ: أَيُّ الْوَجْهَيْنِ وَجْهِي الْحَقِيقِيُّ؟
وَفِي اللَّيْلِ تَتَكَشَّفُ حَقِيقَةُ الْمَدِينَةِ الْمُزْدَوِجَةُ: فَالْأَضْوَاءُ الَّتِي تَجْعَلُ الشَّوَارِعَ الْكُبْرَى تَتَلَأْلَأُ كَالْعُقُودِ، تُخْفِي فِي ظِلِّهَا أَزِقَّةً مُعْتِمَةً يَنَامُ فِيهَا مَنْ لَا بُيُوتَ لَهُمْ.
وَكَأَنَّ الظَّلَامَ لَا يَصْنَعُ الْأَسْرَارَ، بَلْ يَكْشِفُ مَا يُغَطِّيهِ صَخَبُ النَّهَارِ مِنْ وَحْدَةٍ وَتَعَبٍ وَحَنِينٍ.
ثُمَّ تَأْتِي السَّاعَةُ الْأَخِيرَةُ قَبْلَ الْفَجْرِ، أَهْدَأُ سَاعَاتِ الْمَدِينَةِ وَأَصْدَقُهَا، فَتَسْمَعُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ صَوْتَ الرِّيحِ بَيْنَ الْأَسْلَاكِ، وَنُبَاحَ كَلْبٍ بَعِيدٍ، وَوَقْعَ خُطُوَاتِكَ أَنْتَ عَلَى الرَّصِيفِ.
وَبَعْدَ دَقَائِقَ يَرْتَفِعُ الْأَذَانُ مِنْ مِئْذَنَةٍ قَرِيبَةٍ، فَيُجِيبُهُ أَذَانٌ آخَرُ، ثُمَّ ثَالِثٌ، وَيَأْخُذُ الْأُفُقُ فِي الشَّرْقِ يَبْيَضُّ رُوَيْدًا رُوَيْدًا.
عِنْدَئِذٍ تَسْتَعِيدُ الْمَدِينَةُ وَجْهَهَا الْمَأْلُوفَ، وَتُخْفِي حِكَايَاتِ لَيْلِهَا فِي جُيُوبِهَا، كَمَا يُخْفِي الْمَرْءُ رِسَالَةً لَا يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَهَا أَحَدٌ.