يُقَالُ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ الْمُتَنَبِّي إِنَّهُ «مَالِئُ الدُّنْيَا وَشَاغِلُ النَّاسِ»، وَهُوَ وَصْفٌ لَمْ يَفْقِدْ صِدْقَهُ بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ عَامٍ.
وُلِدَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي الْكُوفَةِ سَنَةَ ٩١٥ لِلْمِيلَادِ لِأُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ، وَطَلَبَ الْعِلْمَ وَاللُّغَةَ مُنْذُ صِغَرِهِ، وَعَاشَ زَمَنًا بَيْنَ الْأَعْرَابِ فِي الْبَادِيَةِ، فَأَخَذَ عَنْهُمُ الْفَصَاحَةَ.
وَيُقَالُ إِنَّهُ لُقِّبَ بِالْمُتَنَبِّي لِأَنَّهُ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي شَبَابِهِ، فَسُجِنَ حَتَّى تَرَاجَعَ عَنْ دَعْوَاهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي هٰذِهِ الرِّوَايَةِ بَعْضُ الدَّارِسِينَ.
وَكَانَتْ ذِرْوَةُ حَيَاتِهِ فِي حَلَبَ، فِي بَلَاطِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ الْحَمْدَانِيِّ، حَيْثُ أَقَامَ نَحْوَ تِسْعِ سَنَوَاتٍ، وَنَظَمَ فِيهِ وَفِي حُرُوبِهِ مَعَ الرُّومِ أَجْمَلَ قَصَائِدِهِ.
غَيْرَ أَنَّ كِبْرِيَاءَهُ كَانَتْ تَصْنَعُ لَهُ الْأَعْدَاءَ بِقَدْرِ مَا تَصْنَعُ لَهُ الْمَجْدَ؛ فَقَدْ كَانَ يَرَى نَفْسَهُ نِدًّا لِلْأُمَرَاءِ لَا خَادِمًا لَهُمْ، وَكَثِيرًا مَا كَانَ يَمْدَحُ نَفْسَهُ فِي قَصَائِدِ الْمَدْحِ أَكْثَرَ مِمَّا يَمْدَحُ مَمْدُوحِيهِ.
وَمِنْ أَشْهَرِ أَبْيَاتِهِ فِي ذٰلِكَ قَوْلُهُ فِي قَصِيدَةٍ يُعَاتِبُ فِيهَا سَيْفَ الدَّوْلَةِ: «أَنَا الَّذِي نَظَرَ الْأَعْمَى إِلَى أَدَبِي، وَأَسْمَعَتْ كَلِمَاتِي مَنْ بِهِ صَمَمُ».
وَفِي الْقَصِيدَةِ نَفْسِهَا يَقُولُ: «الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي، وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُ وَالْقَلَمُ».
فَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِأَنْ يَكُونَ شَاعِرًا، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ فَارِسًا وَحَكِيمًا وَصَاحِبَ سُلْطَانٍ أَيْضًا.
وَلَعَلَّ هٰذَا الطُّمُوحَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ حَدًّا هُوَ سِرُّ قُوَّةِ شِعْرِهِ، وَسِرُّ شَقَاءِ حَيَاتِهِ أَيْضًا.
وَلَمَّا فَسَدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ رَحَلَ إِلَى مِصْرَ، وَمَدَحَ حَاكِمَهَا كَافُورًا الْإِخْشِيدِيَّ طَمَعًا فِي وِلَايَةٍ يَحْكُمُهَا، فَلَمَّا خَابَ أَمَلُهُ فَرَّ مِنْ مِصْرَ وَهَجَاهُ أَقْسَى الْهِجَاءِ.
ثُمَّ تَنَقَّلَ بَيْنَ الْعِرَاقِ وَبِلَادِ فَارِسَ، وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ سَنَةَ ٩٦٥ خَرَجَ عَلَيْهِ فَاتِكٌ الْأَسَدِيُّ وَرِجَالُهُ قُرْبَ بَغْدَادَ.
وَتَرْوِي الْأَخْبَارُ أَنَّهُ هَمَّ بِالْفِرَارِ حِينَ رَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَذَكَّرَهُ غُلَامُهُ بِبَيْتِهِ عَنِ الْخَيْلِ وَاللَّيْلِ، فَعَادَ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ، فَكَأَنَّ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ قَتَلَ صَاحِبَهُ.
وَبَقِيَ شِعْرُهُ بَعْدَهُ حَيًّا عَلَى الْأَلْسِنَةِ، تَجْرِي حِكَمُهُ مَجْرَى الْأَمْثَالِ، وَيَخْتَلِفُ فِيهِ النُّقَّادُ كَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي حَيَاتِهِ: فَبَعْضُهُمْ يَرَى فِي فَخْرِهِ غُرُورًا مُنَفِّرًا، وَبَعْضُهُمْ يَسْمَعُ فِيهِ صَوْتَ إِنْسَانٍ يَرْفُضُ أَنْ يَكُونَ صَغِيرًا فِي عَالَمٍ صَغِيرٍ.