قَبْلَ نَحْوِ تِسْعَةِ قُرُونٍ كَتَبَ الْحَرِيرِيُّ فِي الْبَصْرَةِ خَمْسِينَ مَقَامَةً، صَارَتْ مِنْ أَشْهَرِ مَا كُتِبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنَ النَّثْرِ الْفَنِّيِّ.
يَرْوِيهَا جَمِيعًا رَجُلٌ وَاحِدٌ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ هَمَّامٍ، وَبَطَلُهَا جَمِيعًا رَجُلٌ آخَرُ هُوَ أَبُو زَيْدٍ السَّرُوجِيُّ: شَيْخٌ فَصِيحٌ مُحْتَالٌ يَعِيشُ بِلِسَانِهِ، وَيَظْهَرُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ بِوَجْهٍ جَدِيدٍ.
وَفِي أُولَى الْمَقَامَاتِ يَحْكِي الْحَارِثُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى صَنْعَاءَ فِي الْيَمَنِ فَقِيرًا غَرِيبًا، لَا يَمْلِكُ إِلَّا ثَوْبَهُ، وَلَا يَعْرِفُ فِيهَا أَحَدًا.
وَبَيْنَمَا هُوَ يَجُولُ فِي أَسْوَاقِهَا رَأَى حَلْقَةً مِنَ النَّاسِ قَدِ الْتَفَّتْ حَوْلَ رَجُلٍ نَحِيلٍ رَثِّ الثِّيَابِ، يَعِظُهُمْ بِكَلَامٍ مَسْجُوعٍ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ.
كَانَ يُذَكِّرُهُمْ بِقِصَرِ الْعُمْرِ وَغُرُورِ الدُّنْيَا، وَيُحَذِّرُهُمْ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ وَنِسْيَانِ الْآخِرَةِ، حَتَّى بَكَى السَّامِعُونَ، وَتَسَابَقُوا إِلَى أَنْ يُعْطُوهُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
فَلَمَّا امْتَلَأَتْ يَدَاهُ شَكَرَهُمْ وَانْصَرَفَ، فَتَبِعَهُ الْحَارِثُ مِنْ بَعِيدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ سِرَّ هٰذَا الزَّاهِدِ الْعَجِيبِ.
وَمَا زَالَ يَتْبَعُهُ حَتَّى دَخَلَ الرَّجُلُ مَغَارَةً، فَنَظَرَ الْحَارِثُ مِنْ مَدْخَلِهَا، فَإِذَا الْوَاعِظُ جَالِسٌ مَعَ تِلْمِيذٍ لَهُ أَمَامَ خُبْزٍ أَبْيَضَ وَجَدْيٍ مَشْوِيٍّ، يَأْكُلَانِ بِشَهِيَّةٍ لَا تَعْرِفُ الزُّهْدَ.
فَدَخَلَ عَلَيْهِ غَاضِبًا وَقَالَ: «أَهٰذَا مَا كُنْتَ تَعِظُ النَّاسَ بِهِ؟»
فَلَمْ يَخْجَلِ الشَّيْخُ، بَلْ أَنْشَدَ أَبْيَاتًا يَعْتَرِفُ فِيهَا بِأَنَّهُ لَبِسَ ثَوْبَ الزُّهْدِ لِيَصْطَادَ بِهِ رِزْقَهُ، وَيُلْقِي اللَّوْمَ عَلَى الدَّهْرِ الَّذِي أَلْجَأَهُ إِلَى الْحِيلَةِ.
فَسَأَلَ الْحَارِثُ التِّلْمِيذَ عَنْ صَاحِبِهِ، فَقَالَ: «هٰذَا أَبُو زَيْدٍ السَّرُوجِيُّ، سِرَاجُ الْغُرَبَاءِ وَتَاجُ الْأُدَبَاءِ».
وَمُنْذُ ذٰلِكَ الْيَوْمِ ظَلَّ الْحَارِثُ يَلْقَاهُ فِي بِلَادٍ شَتَّى، يَعْرِفُهُ مَرَّةً وَيُخْدَعُ بِهِ مَرَّاتٍ، وَلَا يَمْلِكُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إِلَّا أَنْ يُعْجَبَ بِبَلَاغَتِهِ.
وَهُنَا سِرُّ هٰذِهِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي أَحَبَّهَا الْقُرَّاءُ قُرُونًا: فَأَبُو زَيْدٍ مُحْتَالٌ لَا شَكَّ فِي احْتِيَالِهِ، وَلٰكِنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ أَسْرَارِ اللُّغَةِ مَا يَجْعَلُ الْقَارِئَ يَغْفِرُ لَهُ، بَلْ يَتَمَنَّى أَنْ يُخْدَعَ مِنْ جَدِيدٍ.
وَكَأَنَّ الْحَرِيرِيَّ يَطْرَحُ عَلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الضَّحِكِ سُؤَالًا جَادًّا: إِذَا كَانَ الْكَلَامُ الْجَمِيلُ قَادِرًا عَلَى أَنْ يُبْكِيَ النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَكَيْفَ نُمَيِّزُ الْبَلَاغَةَ الصَّادِقَةَ مِنَ الْبَلَاغَةِ الْمُخَادِعَةِ؟
وَفِي الْمَقَامَةِ الْأَخِيرَةِ يَتُوبُ أَبُو زَيْدٍ، وَيَعُودُ إِلَى بَلَدِهِ سَرُوجَ زَاهِدًا حَقًّا، فَكَأَنَّ الْحِكَايَةَ كُلَّهَا طَرِيقٌ طَوِيلٌ مِنَ الزُّهْدِ الْكَاذِبِ إِلَى الزُّهْدِ الصَّادِقِ.