قَالَ الْمَلِكُ دَبْشَلِيمُ لِبَيْدَبَا الْفَيْلَسُوفِ: «اضْرِبْ لِي مَثَلًا لِلْأَصْدِقَاءِ الَّذِينَ يَتَعَاوَنُونَ فَيَنْجُو بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ».
قَالَ الْفَيْلَسُوفُ: زَعَمُوا أَنَّ غُرَابًا كَانَ يَسْكُنُ شَجَرَةً كَبِيرَةً، فَرَأَى ذَاتَ يَوْمٍ صَيَّادًا يَنْصِبُ شَبَكَتَهُ تَحْتَهَا وَيَنْثُرُ عَلَيْهَا الْحَبَّ.
فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَقْبَلَ سِرْبٌ مِنَ الْحَمَامِ تَقُودُهُ حَمَامَةٌ يُقَالُ لَهَا الْمُطَوَّقَةُ، فَرَأَيْنَ الْحَبَّ وَلَمْ يَرَيْنَ الشَّبَكَةَ.
فَوَقَعْنَ فِيهَا جَمِيعًا، وَأَقْبَلَ الصَّيَّادُ فَرِحًا يَسْعَى نَحْوَهُنَّ.
فَأَخَذَتْ كُلُّ حَمَامَةٍ تَضْطَرِبُ وَتُحَاوِلُ أَنْ تُخَلِّصَ نَفْسَهَا وَحْدَهَا، فَقَالَتِ الْمُطَوَّقَةُ: «لَا تَتَفَرَّقْنَ، وَلَا تَكُنْ إِحْدَاكُنَّ أَحْرَصَ عَلَى نَفْسِهَا مِنْهَا عَلَى صَاحِبَاتِهَا، بَلْ لِنَتَعَاوَنْ جَمِيعًا وَنَطِرْ بِالشَّبَكَةِ مَعًا».
فَأَطَعْنَهَا، وَطِرْنَ جَمِيعًا وَالشَّبَكَةُ مَعَهُنَّ، وَالصَّيَّادُ يَتْبَعُهُنَّ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُنَّ سَيَسْقُطْنَ بَعْدَ قَلِيلٍ.
وَتَبِعَهُنَّ الْغُرَابُ أَيْضًا لِيَرَى مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِنَّ.
فَلَمَّا ابْتَعَدْنَ عَنْ عَيْنِ الصَّيَّادِ، قَالَتِ الْمُطَوَّقَةُ: «إِنَّ لِي صَدِيقًا مِنَ الْجِرْذَانِ اسْمُهُ زِيرَكُ يَسْكُنُ قَرِيبًا مِنْ هُنَا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَقْرِضَ هٰذِهِ الشَّبَكَةَ».
فَلَمَّا بَلَغْنَ جُحْرَهُ نَادَتْهُ، فَخَرَجَ مُسْرِعًا، وَبَدَأَ يَقْرِضُ الْعُقْدَةَ الَّتِي حَوْلَ عُنُقِهَا.
فَقَالَتْ لَهُ: «ابْدَأْ بِصَاحِبَاتِي أَوَّلًا، ثُمَّ اقْطَعْ عُقْدَتِي».
فَتَعَجَّبَ زِيرَكُ وَقَالَ: «كَأَنَّكِ لَا تُبَالِينَ بِنَفْسِكِ!»
فَقَالَتْ: «أَخْشَى إِنْ بَدَأْتَ بِي أَنْ يُصِيبَكَ التَّعَبُ فَتَتْرُكَ بَعْضَهُنَّ فِي الشَّبَكَةِ، أَمَّا إِذَا كُنْتُ الْأَخِيرَةَ فَلَنْ تَتْرُكَنِي مَهْمَا تَعِبْتَ».
وَأَضَافَتْ: «لَقَدْ شَارَكْنَنِي الْبَلَاءَ، فَلَا أُرِيدُ أَنْ أَنْجُوَ قَبْلَهُنَّ».
فَقَالَ الْجُرَذُ: «بِمِثْلِ هٰذَا يَزْدَادُ أَصْحَابُكِ حُبًّا لَكِ»، ثُمَّ قَرَضَ الشَّبَكَةَ كُلَّهَا، فَطَارَتِ الْحَمَائِمُ آمِنَاتٍ.
وَكَانَ الْغُرَابُ يُرَاقِبُ ذٰلِكَ كُلَّهُ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا أَحْوَجَنِي إِلَى صَدِيقٍ مِثْلِ هٰذَا الْجُرَذِ!
فَطَلَبَ صَدَاقَتَهُ، فَخَافَ مِنْهُ الْجُرَذُ أَوَّلَ الْأَمْرِ، ثُمَّ وَثِقَ بِهِ، فَصَارَا صَدِيقَيْنِ لَا يَفْتَرِقَانِ.
وَهٰكَذَا يُعَلِّمُنَا بَيْدَبَا أَنَّ الضُّعَفَاءَ إِذَا تَعَاوَنُوا نَجَوْا مِمَّا لَا يَنْجُو مِنْهُ الْقَوِيُّ وَحْدَهُ.