وَلَدِي الْحَبِيبَ يُوسُفَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ.
أَكْتُبُ إِلَيْكَ هٰذِهِ السُّطُورَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تَسْبِقُ سَفَرَكَ، وَالْبَيْتُ هَادِئٌ عَلَى غَيْرِ عَادَتِهِ، وَحَقِيبَتُكَ وَاقِفَةٌ عِنْدَ الْبَابِ كَأَنَّهَا تَسْتَعْجِلُكَ.
لَنْ أُثْقِلَ عَلَيْكَ بِالنَّصَائِحِ، فَقَدْ سَمِعْتَ مِنِّي مَا يَكْفِيكَ الْعُمْرَ كُلَّهُ، وَلٰكِنْ دَعْنِي أَضَعْ فِي حَقِيبَتِكَ بَعْضَ مَا تَعَلَّمْتُهُ.
إِنَّكَ ذَاهِبٌ إِلَى الْجَامِعَةِ لِتَتَعَلَّمَ، فَلَا تَجْعَلِ الشَّهَادَةَ غَايَتَكَ، فَالشَّهَادَةُ وَرَقَةٌ، أَمَّا الْعِلْمُ فَعَادَةٌ تَبْقَى مَعَكَ طُولَ حَيَاتِكَ.
اسْأَلْ أَسَاتِذَتَكَ حِينَ لَا تَفْهَمُ، وَلَا تَخْجَلْ مِنْ أَنْ تَقُولَ «لَا أَدْرِي»، فَقَدْ قِيلَ قَدِيمًا: «لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ».
وَاخْتَرْ أَصْدِقَاءَكَ بِعِنَايَةٍ، فَقَدْ كَانَ جَدُّكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَقُولُ: «قُلْ لِي مَنْ تُصَاحِبُ، أَقُلْ لَكَ مَنْ أَنْتَ».
وَسَتَجِدُ فِي الْمَدِينَةِ الْكَبِيرَةِ حُرِّيَّةً لَمْ تَعْرِفْهَا فِي بَيْتِنَا، فَاجْعَلْهَا جَنَاحًا يَرْفَعُكَ، لَا هَاوِيَةً تَسْقُطُ فِيهَا.
وَنَظِّمْ وَقْتَكَ وَمَالَكَ، فَمَنْ بَذَّرَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ قَضَى آخِرَهُ يَعُدُّ الدَّرَاهِمَ.
وَإِذَا أَخْطَأْتَ، وَسَتُخْطِئُ كَمَا أَخْطَأْنَا جَمِيعًا، فَلَا تُخْفِ خَطَأَكَ عَنَّا، فَبَابُ هٰذَا الْبَيْتِ لَنْ يُغْلَقَ فِي وَجْهِكَ أَبَدًا.
وَلَا تَنْسَ أُمَّكَ، اتَّصِلْ بِهَا كُلَّ يَوْمٍ وَلَوْ دَقِيقَتَيْنِ، فَصَوْتُكَ عِنْدَهَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ رِسَالَةٍ مَكْتُوبَةٍ.
أَمَّا أَنَا فَسَأَتَظَاهَرُ بِأَنِّي لَا أَشْتَاقُ إِلَيْكَ، كَمَا يَفْعَلُ الْآبَاءُ عَادَةً، وَلٰكِنِّي سَأَعُدُّ الْأَيَّامَ حَتَّى عُطْلَتِكَ الْأُولَى.
وَحِينَ سَافَرْتُ أَنَا إِلَى الْجَامِعَةِ قَبْلَ ثَلَاثِينَ عَامًا، دَسَّ جَدُّكَ فِي جَيْبِي وَرَقَةً صَغِيرَةً كَتَبَ عَلَيْهَا: «كُنْ كَمَا عَرَفْتُكَ»، وَهَا أَنَا أَكْتُبُهَا لَكَ الْيَوْمَ.
وَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ النَّجَاحَ الَّذِي نَرْجُوهُ لَكَ لَيْسَ أَنْ تَصِيرَ غَنِيًّا أَوْ مَشْهُورًا، بَلْ أَنْ تَكُونَ إِنْسَانًا نَافِعًا يَفْخَرُ بِهِ مَنْ عَرَفَهُ.
أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ.
أَبُوكَ الَّذِي يُحِبُّكَ.