يُحْكَى أَنَّهُ كَانَ فِي مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ قَاضٍ عَادِلٌ، يَأْتِيهِ النَّاسُ بِمَشَاكِلِهِمْ فَيَحُلُّهَا بِالْعَقْلِ وَالصَّبْرِ.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتَانِ تَتَخَاصَمَانِ، وَمَعَ إِحْدَاهُمَا طِفْلٌ صَغِيرٌ.
قَالَتِ الْأُولَى: «أَيُّهَا الْقَاضِي، كُنَّا نَسِيرُ مَعًا، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَّا ابْنُهَا، فَجَاءَ ذِئْبٌ وَخَطَفَ ابْنَ هٰذِهِ الْمَرْأَةِ، وَالْآنَ تَقُولُ إِنَّ ابْنِي ابْنُهَا!»
فَصَاحَتِ الثَّانِيَةُ: «لَا، بَلْ أَخَذَ الذِّئْبُ ابْنَهَا هِيَ، وَهٰذَا الطِّفْلُ ابْنِي!»
نَظَرَ الْقَاضِي إِلَى الطِّفْلِ، فَوَجَدَهُ صَغِيرًا لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ شَاهِدٌ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ.
وَكَانَتِ الْمَرْأَتَانِ تَبْكِيَانِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَقُولُ: «أَنَا أُمُّهُ!»
فَسَكَتَ الْقَاضِي قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِخَادِمِهِ: «هَاتِ سِكِّينًا».
فَتَعَجَّبَ الْحَاضِرُونَ وَسَأَلُوهُ: «مَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ؟»
قَالَ: «مَا دَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَقُولُ إِنَّهُ ابْنُهَا، فَسَأَقْسِمُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفٌ».
فَصَرَخَتِ الْمَرْأَةُ الثَّانِيَةُ: «لَا، أَرْجُوكَ، لَا تُؤْذِهِ! دَعْهُ لَهَا، هُوَ ابْنُهَا!»
أَمَّا الْأُولَى فَسَكَتَتْ، وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَى وَجْهِهَا خَوْفٌ.
فَابْتَسَمَ الْقَاضِي وَقَالَ: «الْآنَ عَرَفْتُ الْحَقِيقَةَ، فَالْأُمُّ لَا تَرْضَى أَنْ يُصِيبَ ابْنَهَا أَذًى، وَلَوْ خَسِرَتْهُ».
ثُمَّ أَعْطَى الطِّفْلَ لِلْمَرْأَةِ الثَّانِيَةِ، فَضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا وَهِيَ تَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ.
وَلَمْ يَكُنِ الْقَاضِي يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَ الطِّفْلَ أَبَدًا، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَكْشِفَ قَلْبَ الْأُمِّ الْحَقِيقِيَّةِ.
وَتُرْوَى قِصَّةٌ مِثْلُ هٰذِهِ عَنِ النَّبِيِّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ.