حَكَى خَاقَانُ بْنُ صُبَيْحٍ أَنَّهُ زَارَ لَيْلَةً رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ.
فَأَحْضَرَ الرَّجُلُ مِصْبَاحًا صَغِيرًا، فِيهِ فَتِيلَةٌ رَقِيقَةٌ جِدًّا.
وَكَانَ قَدْ وَضَعَ فِي زَيْتِ الْمِصْبَاحِ قَلِيلًا مِنَ الْمِلْحِ.
وَرَأَى خَاقَانُ عُودًا صَغِيرًا مَرْبُوطًا بِخَيْطٍ إِلَى عَمُودِ الْمِصْبَاحِ.
فَكُلَّمَا كَادَ الْمِصْبَاحُ يَنْطَفِئُ، رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَ الْفَتِيلَةِ بِهٰذَا الْعُودِ.
فَسَأَلَهُ خَاقَانُ: «لِمَاذَا رَبَطْتَ الْعُودَ بِالْخَيْطِ؟»
قَالَ الرَّجُلُ: «هٰذَا عُودٌ قَدْ شَرِبَ مِنَ الزَّيْتِ، فَإِذَا ضَاعَ احْتَجْنَا إِلَى عُودٍ جَدِيدٍ عَطْشَانَ.»
«وَلَوْ ضَاعَ مِنَّا عُودٌ كُلَّ يَوْمٍ، لَضَاعَ فِي الشَّهْرِ زَيْتُ لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ.»
فَبَيْنَمَا كَانَ خَاقَانُ يَتَعَجَّبُ فِي نَفْسِهِ، دَخَلَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ.
نَظَرَ الشَّيْخُ إِلَى الْعُودِ، وَقَالَ لِصَاحِبِ الْبَيْتِ: «هَرَبْتَ مِنْ خَطَأٍ وَوَقَعْتَ فِي خَطَأٍ آخَرَ!»
«أَلَا تَعْلَمُ أَنَّ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ تَأْخُذَانِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟»
«أَلَمْ يَكُنْ هٰذَا الْعُودُ أَمْسِ مُبْتَلًّا، وَهُوَ اللَّيْلَةَ أَعْطَشُ مِمَّا كَانَ؟»
«لَقَدْ كُنْتُ جَاهِلًا مِثْلَكَ، حَتَّى عَرَفْتُ طَرِيقَةً أَفْضَلَ مِنْ طَرِيقَتِكَ.»
«ارْبُطْ بَدَلَ الْعُودِ إِبْرَةً مِنْ حَدِيدٍ، فَالْحَدِيدُ أَمْلَسُ وَلَا يَشْرَبُ الزَّيْتَ.»
«وَالْعُودُ قَدْ تَعْلَقُ بِهِ شَعْرَةٌ مِنْ قُطْنِ الْفَتِيلَةِ، فَيَنْطَفِئُ الْمِصْبَاحُ بِسَبَبِهَا.»
قَالَ خَاقَانُ: «فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَرَفْتُ فَضْلَ أَهْلِ خُرَاسَانَ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ.»
«وَعَرَفْتُ أَيْضًا فَضْلَ أَهْلِ مَرْوَ عَلَى سَائِرِ أَهْلِ خُرَاسَانَ.»