كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ يُسَافِرُ كَثِيرًا إِلَى الْعِرَاقِ لِلتِّجَارَةِ.
وَكَانَ كُلَّمَا جَاءَ نَزَلَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَيُكْرِمُهُ وَيَقُومُ بِكُلِّ حَاجَاتِهِ.
وَكَانَ الْمَرْوَزِيُّ يَقُولُ لَهُ دَائِمًا: «لَيْتَنِي أَرَاكَ فِي مَرْوَ، حَتَّى أَرُدَّ لَكَ إِحْسَانَكَ!»
«أَمَّا هُنَا فِي بَلَدِكَ، فَأَنْتَ لَا تَحْتَاجُ إِلَيَّ فِي شَيْءٍ.»
وَبَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ، احْتَاجَ الْعِرَاقِيُّ إِلَى السَّفَرِ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ.
وَكَانَ مِمَّا هَوَّنَ عَلَيْهِ تَعَبَ السَّفَرِ وَالْغُرْبَةِ أَنَّ صَدِيقَهُ الْمَرْوَزِيَّ يَعِيشُ هُنَاكَ.
فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَرْوَ، ذَهَبَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً فِي ثِيَابِ السَّفَرِ، بِعِمَامَتِهِ وَقَلَنْسُوَتِهِ وَكِسَائِهِ.
فَوَجَدَهُ جَالِسًا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَانَقَهُ بِشَوْقٍ.
لٰكِنَّ الْمَرْوَزِيَّ تَصَرَّفَ كَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ كَمَا يَسْأَلُ الصَّدِيقُ عَنْ صَدِيقِهِ.
فَقَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي نَفْسِهِ: «لَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْنِي بِسَبَبِ الْقِنَاعِ الَّذِي أَلْبَسُهُ.»
فَرَمَى الْقِنَاعَ وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَكَانَ الْمَرْوَزِيُّ أَكْثَرَ إِنْكَارًا لَهُ.
فَقَالَ: «لَعَلَّ الْعِمَامَةَ هِيَ السَّبَبُ»، فَنَزَعَهَا وَذَكَرَ لَهُ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ.
ثُمَّ سَأَلَهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَوَجَدَهُ أَشَدَّ إِنْكَارًا مِنْ قَبْلُ.
فَقَالَ الْعِرَاقِيُّ: «فَلَعَلَّهُ لَا يَعْرِفُنِي بِسَبَبِ الْقَلَنْسُوَةِ الَّتِي عَلَى رَأْسِي.»
وَفَهِمَ الْمَرْوَزِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ عُذْرٌ لِيَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ.
فَقَالَ لَهُ أَمَامَ أَصْحَابِهِ: «لَوْ خَرَجْتَ مِنْ جِلْدِكَ لَمْ أَعْرِفْكَ!»